،                                         

الصفحة الرئيسية

محاضرات عامةالسيرة الذاتية

سؤال وجوابالتدريسالبحوث

الروابط

الكتب

خطب

 

الشخصية الاعتبارية ذات المسئولية المحدودة

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين

 

"اللهم يسِّر وأعن يا كريم"

 

1- المقدمة

            تعد صيغة الشركة المساهمة واحدة من أهم المخترعات المالية والقانونية في العصر الحديث . وقد اكتسبت هذه الأهمية من فكرة المسئولية المحدودة والتي تولد عنها خاصية تداول الحصص في أسواق منظمة . ولقد كان لهذه الصيغة أثر بالغ في التقدم الاقتصادي الذي يشهده العالم في الوقت الحاضر. فقد استطاعت المؤسسات المكونة على صفة شركة مساهمة اجتذاب مدخرات كثيرة ثم توجيهها إلى مشروعات كبيرة الحجم عظيمة التكاليف ما كان يمكن تمويلها من قبل المؤسسات الفردية أو أعيان التجار . ولذلك كان لها أثرها الملموس في النمو الاقتصادي في الدول التي تسير على منهج الاقتصاد الحر . ولا ريب أن أهم مصادر هذه الأهمية لصيغة الشركة المساهمة هي فكرة المسئولية المحدودة التي استطاعت أن تقلل مخاطر الاستثمار بالنسبة للأفراد فأعطتهم القدرة على تحديد المستوى من الخطر في الاستثمار الذي يرغبون في تحمله في أموالهم ، مع تمتعهم بأقصى حد ممكن من الربح والعائد . فتحقق لهم حماية مدخراتهم واستثمار جزء منها فحسب ، بحيث لا يؤثر في حال حدوث الخسارة على ثروتهم التي تكونت على مدى السنين .

 

            وصيغة الشركة المساهمة جديدة عند المسلمين إذ لا تعود لأكثر من نحو خمسين سنة  . ولقد تعددت فيها الكتابات الشرعية وتناولتها الفتاوى من أفراد العلماء ومن المجامع الفقهية لتشمل جوانب كثيرة من عملها ونشاطها والعلاقات التي تتولد من خلال العمل بصيغتها المبتكرة . ومع ذلك لا تزال العديد من القضايا في عمل الشركات المساهمة غير محسومة لكثرة الآراء واختلاف وجهات النظر . ولعل هذا التعدد وذلك الاختلاف راجع إلى كثرة الأصول التي تقاس عليها المسألة الواحدة وتنوعها بحيث أضحت الآراء الفقهية والفتاوى من أفراد العلماء ومن المجامع الفقهيه كأن لا رابط بينها. كل ذلك مرده إلى أن التصور للشركة المساهمة بصيغتها المعاصره (الذي بنيت عليه تلك الفتاوي) قد اهتم ، بصفة  أساسية ، بعنصر "الاشتراك" و "الاجتماع" بين مجموعة من الأفراد (وهم حملة الأسهم) ، فألحق مسائل الشركة المساهمة بأحكام الشركة المعروفة في الفقه الإسلامي،  وعُنى بمسألة الخلطة أيما عناية لا سيما في أحكام الزكاة . وأغفل الجانب الأهم في الصيغة المذكورة ألا وهو فكرة المسئولية المحدودة، ذلك الذي أعطاها القوة والتميز على كافة صيغ الشركة ، فحدث اللبس والتشويش الأمر الذي دفع بعض الباحثين بعد أن إستعرض أحكام الشركة في الفقه الاسلامي إلى القول بعدم جواز صيغة المسئولية المحدودة لأن "أحكام الفقه لا تقبل ذلك"([1]).

 

            إن أحكام الشركات وأنواعها وصيغها المختلفة جميعها اجتهادية إذ لم يرد في الكتاب أو السنة شئ من تلك الأحكام وإنما كانت تقنيناً من الفقهاء القدامى للأعراف التجارية التي كانت سائدة في أزمانهم أو التي كان عليها عمل الناس في عهد الرسالة ، وليس منها الشركة ذات المسئولية المحدودة . إن أحكام شركة العنان وغيرها من الشركات المعروفة في الفقه قاصرة عن أن تقدم لنا أجوبة حاسمة في مسائل مهمة في عمل الشركات المساهمة هي اليوم من أكثر المسائل إلحاحاً في النظر الفقهي ، وهي تمس حياة ملايين المسلمين في كل أنحاء العالم .

 

من ذلك مثلاً :

- مسألة أسهم الشركة هل هي ثمن الشركة أم هي رأس مال الشركة ؟ وما معنى

   الاكتتاب؟ وماذا يملك حامل السهم؟ وما يترتب على ذلك من نتائج تتعلق بأنواع

   المعاملات الجائزة في الأسهم (مثل هل يجوز في الأسهم السلم والقرض؟) .

- مسألة تداول أسهم شركة يكون غالب موجوداتها من الديون أو من النقود .

- مسألة المساهمة في الشركات التي أصل نشاطها مباح لكنها تتعامل في بعض

   المحرمات  (كالاقتراض بالفائدة) .

- مسألة المساهمة في الشركات التي تمارس في بلاد الكفار أعمالاً غير مباحة (مثل بيع

   الخمور) .

- كيف تزكي الشركة أموالها؟ وكيف يزكي المساهم أسهمه؟ وهل يلزم علمه

    بموجودات الشركة ونشاطها؟ وهل يزكيها بحسب الغالب على نشاطها أم على كل

    أنواع نشاطاتها؟ . وغير ذلك كثير .

- مسألة العلاقة بين ملاك الشركة من حملة أسهم عادية وأخرى ممتازة وثالثة غير

   مصوته ...الخ .

- تحقيق العدالة بين الملاك والدائنين .

            لقد اعتقد البعض إن مسائل الشركة المساهمة ، لا سيما تلك التي ذكرناها أعلاه، تحتاج إلى اجتهاد محض ، لظنهم أنه لا يوجد في الشريعة أصول يمكن أن تُلحق بها هذه الفروع . والواقع أن كل مسائل الشركة المعاصرة ، وبخاصة ما ذكر أعلاه ، يمكن أن تقاس على أصول واضحة وأحكام جلية معروفة مشهورة ، ونصوص بعضها من الصحيح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعضها من كلام الفقهاء القدامى كما سيأتي تفصيله .

 

            لكن ذلك لا يظهر وتبين حقيقته ويُفتضح سره إلا بنظر جديد في القضية وتصوِّرٍ يقوم على فصل مسألة المساهمة العامة (أي الاشتراك والاجتماع) عن مسألة المسئولية المحدودة . ولذلك فان هذه الورقة تُعنى بالجانب المهم في صيغة الشركة المساهمة  الحديثة وهو جانب المسئولية المحدودة . ذلك أن اشتراك مجموعة من الأفراد في ملكية أصول شركة من الشركات لا أهمية له وليس هو العنصر المؤثر في الحكم على هذه الصيغة ولا الفتوى في الوقائع والنوازل المتعلقة بها ، فلا فرق في الأحكام بين أن يمتلك الأعيان والنقود والديون فرد واحد أو أن تكون مملوكة لمجموعة من الأفراد في صيغة يتضامنون فيها . لكن العنصر المهم هو هذه الشخصية القانونية ذات المسئولية المحدودة والتي بناءً عليها قامت الشركات المساهمة الحديثة  .

 

2- فكرة الشركة المساهمة وفكرة الشخصية الاعتبارية ذات المسئولية المحدودة :

             إن فكرة الشركة المساهمة قديمة ترجع إلى قرون كثيرة مضت . وقد عرفها المسلمون في صيغة شركة العنان([2]) وان لم يعرفوا تداول الحصص الذي هو من سمات الشركة المساهمة الحديثة والذي أعطى الاستثمار فيها ميزة السيولة إذ جعلت للأسهم القابلية إلى أن تتحول إلى نقود بالبيع في أسواق منظمة وبتكاليف متدنية . وكذلك الحال في الشخصية الاعتبارية ذات المسئولية المحدودة فإنها قديمة ، وقد ادعى بعض الكتاب أنها معروفة لدى الإغريق والرومان([3]) . أما الجمع بين الفكرتين فهو حديث ، لم يجر النص عليه في القوانين الغربية إلا إبتداءً من منتصف القرن التاسع عشر تقريباً .

 

            لقد بدأت فكرة المسئولية المحدودة في الشركات على صفة شروط ينص عليها في عقود إنشاء الشركات ثم تطورت إلى قوانين تجارية تقنن فكرة المسئولية المحدودة وتجعلها الأساس الذي يعتمد عليه عمل الشركات المساهمة والأصل الذي صار معه ضمان الشركاء لديون الشركة بأكثر من قيم حصصهم هو الشذوذ عن القاعدة . وقد بدأ ظهور هذه الصيغة في الولايات المتحدة في العقد الثاني من القرن التاسع عشر عندما إتجهت بعض الولايات إلى إصدار قوانين للشركات تنص على جواز أن تكون الشركة محدودة المسئولية. ومع ذلك فقد إستغرق الأمر قرناً من الزمان أو يزيد حتى تصبح هي أساس عمل الشركات المساهمة في تلك البلاد إذ لم يجر النص على ذلك في ولاية كاليفورنيا وهي من أهم الولايات الامريكية وأغناها إلا في سنة 1931م([4]) . أما في بريطانيا فقد نص قانون الشركات الصادر سنة 1844م على أن المسئولية في الشركات المساهمة غير محدودة . إلا أن فشل شركة القطارات البريطانية في جمع الأموال الكافية لتمويل إنشاء مشروع السكك الحديدية ، لانصراف الناس على المساهمة فيها خوفاً من المسئوليات المتضمنة في هذه الاستثمار الضخم ، قد دفع البرلمان إلى إصدار نظام جديد للشركات . فصدر في سنة 1855م قانون الشركات الذي تضمن على اباحة النص على المسئولية المحدودة في عقود تأسيس الشركات . وربما كان أول قانون عربي ينص على المسئولية المحدودة في الشركات هو قانون الشركات المغربي الصادر سنة 1946م ثم تلا ذلك القوانين المنظمة لعمل الشركات في الدول العربية الأخرى .

 

            وبرغم أننا لا نكاد نعرف شركة مساهمة إلا أن تكون ذات مسئولية محدودة ، كما لا نعرف شخصية اعتبارية ذات مسئولية محدودة إلا أن تكون شركة (مساهمة أو غير مساهمة) فان الأمران مستقلان ولا زالا مستقلين في عدد من القوانين الغربية .

 

            فان المحكمة الفدرالية العليا في ألمانيا قد أجازت في حكم قضائي مشهور صيغة الشركة ذات المسئولية المحدودة تكون مملوكة لفرد واحد([5]) ولا زالت بعض القوانين الأوروبية تسمح بمثل هذا الترتيب ولا سيما عندما يكون المالك شخصية اعتبارية ذات مسئولية محدودة . كما أجاز القانون البريطاني للأفراد في العقود المختلفة النص على ربط ديونهم بأصول محدده ليس للدائن المطالبة بغيرها لو هلكت أو انخفضت قيمتها السوقية ، وهو ضرب من تحديد المسئولية([6]) . وكذلك حال أكثر القوانين الغربية الأخرى .

 

            ليست القوانين الوضعية غربية كانت أم شرقية بحجة علينا . لكن ما نريد أن نصل إليه هو أن الشركة المساهمة لا يلزم أن تكون محدودة المسئولية ، والأهم من ذلك أن الشخصية الاعتبارية ذات المسئولية المحدودة لا يلزم أن تكون شركة مساهمة إذ يمكن إدخال فكرة المسئولية المحدودة في أي نوع من أنواع الملكيات . وعلى أية حال فان ما يعنينا هنا هو الفصل بينهما (أي بين فكرة الاشتراك ، وفكرة الشخصية ذات المسئولية المحدودة) من الناحية النظرية حتى يسهل علينا الوصول إلى ما نريد من التركيز على المسئولية المحدودة بمعزل عن الشركة .

 

معنى الشخصية الاعتبارية :

            الشخصية الاعتبارية (وربما سميت أحياناً الشخصية المعنوية) ترجمة غير دقيقة للكلمة الانجليزية (Legal or Juristic Person)  . والشخصية الاعتبارية هي شخصية يخلقها القانون ويضفي عليها كثيراً من سمات وصفات الشخصية الطبيعية . فهو يجعل لها اسماً وحياة قانونية (عمراً افتراضياً هو مُدة الشركة) وجنسية وموطناً ، ويجعل لها ذمة ماليه صالحة لأن تكون وعاءً لأنواع الالتزامات ، ويضفي عليها عدداً من الحقوق المعتادة للأفراد مثل حق الشراء والبيع والهبه والوديعه والكفالة وأنواع التعاقدات الأخرى والتوكيل ومقاضاة الآخرين وتحمل الديون وامتلاك الأصول وتحمل المسئوليات المدنية  ...الخ . ثم يجعلها ملكاً لفرد أو مجموعة من الأفراد . وليست كل شخصية اعتبارية هي محدودة المسئولية بالضرورة . إذ يمكن أن تتمتع بالذمة المالية المستقلة عن الآخرين ومع ذلك تبقى مسئولية مالكيها غير محدودة بقيمتها بل تمتد إلى أموالهم الخاصة .كما سيأتي تفصيله .

 

            وفكرة الشخصية الاعتبارية ليست غريبة على المسلمين لارتباطها بالذمة المالية . وقد عرفها المسلمون في بيت المال وفي الوقف فكلاهما يمثل شخصية اعتبارية يتوافر عليها ما ذكر أعلاه من سمات وصفات . أما الوقف فانه يخرج عن ملك الواقف ولا يدخل ، في قول جمهور الفقهاء ، في ملك الموقوف عليه ولا غيره من العباد([7]) فلا يباع ولا يمتلك . ولأن الوقف لازم([8]) فصار شخصية اعتبارية لها ذمة مالية مستقلة عن الواقف والموقوف عليه وعن الناظر على الوقف فأعطت هذه الذمة المالية المستقلة للوقف شخصيته الاعتبارية، ولذلك أجازوا لناظر الوقف عند الحاجة أن يستدين عليه وأن يستأجر له ، ويتعلق الدين عندئذ في ذمة الوقف ويضحي ديناً يطالب به في غلته ولا يطالب به الناظر في ماله الخاص . وكذلك حال بيت المال إذ جعلت له أحكامه الفقهيه ذمة ماليه تصلح لتحمل الالتزامات والمطالبة بالحقوق وهو جهة تمتلك فصار له شخصية اعتبارية . إلا أن الوقف ليس محدود المسئولية بالمعنى الذي سيرد بعد قليل وكذلك بيت المال ، إذ لا يجوز لناظر الأول أن يحمله بديون تزيد على قيمته في الحال أو المآل (أي بعد استثمار الدين في عمارته) فإذا فعل فهو ضامن ، وكذلك ولي الأمر إذ لا تبرأ ذمة بيت المال من الديون أبداً حتى لو عجز عن دفع ما عليه شأنه شأن كل مفلس في حكم الشريعة .

 

معنى المسئولية المحدودة :

             إن الشخصية الاعتبارية هي كالشخصية الطبيعية غير محدودة المسئولية . ولذلك فان استخدام عبارة الشخصية الاعتبارية ذات المسئولية المحدودة تعبير خاطئ لا يبين المعنى المقصود بهذا اللفظ([9]) ، إذا المقصود به أن مسئولية مالك تلك الشخصية الاعتبارية محدودة بنصيبه فيها وليس أكثر من ذلك . فهو لا يتحمل في أمواله الخاصة أية مسئوليات ناتجة من ديون تلك الشخصية الاعتبارية أوعن  التزاماتها المختلفة أو عما يترتب عليها من تعويضات نتيجة التقصير بالوفاء بحقوق الآخرين أو بالعقود المبرمة معهم . فالدائنون لتلك الشخصية يمكنهم التنفيذ على أموالها وممتلكاتها بلا حدود حتى لو أتوا على كل ما تملك ولم يبق لصاحبها أو أصحابها شئ . وسواء كان ذلك كافياً للوفاء بديونها والتزاماتها تجاه الغير أم لم يكن فانهم (أي الدائنون) لا يستطيعون النفاذ بحال إلى أموال مالكها الخاصة . فمسئوليتها تجاه الآخرين غير محدودة (شأنها في ذلك شأن الشخصية الطبيعية) إلا أن مسئولية مالكها تجاه الآخرين محدودة بنصيبه فيها فحسب . فإضفاء صفة المسئولية المحدودة على الشركة يجعل لها طبيعة مختلفة عن شركة العنان وعن كل أنواع الشركة المعروفة في الفقه . ولذلك لزم أن يكون لها أحكاماً خاصة تأخذ بإعتبارها هذا العنصر .

 

            ولعل المثال التالي يوضح الفرق بين شركة العنان والشركة المساهمة ذات المسئولية المحدودة . هب أن مجموعة من الأفراد تمتلك عقاراً تؤجره وتقتسم ايجاره بحسب حصص الملكية المشاعة لكل فرد منهم . عندئذٍ فان هؤلاء الملاك يشتركون في الملك ويتعاونون في الادارة . لكنهم لو قاموا بتسجيل شركة ذات مسئولية محدودة وجعلوا لها ملكية العقار المذكور فان حصص ملكيتهم عندئذٍ لا تكون في العقار (مع ان ذلك العقار هو الأصل الوحيد المملوك للشركة) بل تكون حصصاً مشاعة في ملكية الشركة أي في أسهمها . والسؤال هل الصورتان متطابقتان ؟ والجواب انهما مختلفتان. ففي الصورة الأولى ، كل شريك منهم هو وكيل عن شركائه (بحكم الشركة ) في التصرف بالملك ، أما في الصورة الثانية ، فان التصرف في الملك (العقار) لا يكون من قبل الشركاء بل قد أنيط بالشركة وهي شخصية قانونية مستقلة عنهم . ليس لأحد منهم أن يتصرف في أموالها وإن كان لهم تعيين الموظفين لذلك الغرض . وإن عمل بعضهم فهو يعمل كموظف لا كشريك .

 

            وفي الصورة الأولى فان مسئولية الشركاء غير محدودة فهي ممتدة إلى أموالهم الخاصة لو تحمل العقار ديوناً أو إلتزامات . أما في الثانية فان الديون والالتزامات انما تكون على الشركة التي هي مستقلة عنهم ، وأقصى ما يمكن أن يخسره الشركاء هو نصيبهم في تلك الشركة .

 

            وفي الصورة الأولى فان ما يمكن أن يحصلوا عليه من بيع العقار هو ثمنه في السوق لا أكثر ، أما في الصورة الثانية فان ما يمكن أن يحصلوا عليه هو ثمن الشركة في السوق والذي ربما اختلف (بل غالباً ما يختلف) عن ثمن العقار نفسه مع انه الأصل الوحيد المملوك للشركة . ومرد الاختلاف ان الشخصية المعنوية المذكورة صار لها بذاتها قيمة تضاف إلى قيمة العقار المذكور . وتستمد قيمتها من اسمها وحسن ادارتها والترخيص الذي تمتلكه للعمل وقدرتها على توليد الربح في المستقبل وحقيقة انها ذات مسئولية محدودة .

 

ميزات الشخصية الاعتبارية ذات المسئولية المحدودة :

            إن النجاح العظيم لصيغة الشركة المساهمة وقدرتها على تعبئة المدخرات الكثيرة وإنشاء المشاريع الضخمة ما جاءت إلا بسبب فكرة المسئولية المحدودة . لقد كانت القوانين الغربية في القرن الثامن عشر تنص على أن الشركاء في الشركة المساهمة متضامنون تمتد المسئولية عن ديون شركتهم والتزاماتها  إلى أموالهم الخاصة . فكان من نتيجة ذلك ان اقتصرت المساهمات على عدد قليل من الشركات . ذلك أن التضامن بين الشركاء يتطلب تساويهم في الثراء ، وإلا تحمل الأغنى منهم مسئولية تزيد على الأقل منه ثراءً ، بصرف النظر عن مساهمة كل منهم في الشركة . والسبب انه لما كانت مسئولية الشريك فيها ممتدة إلى أمواله الخاصة فان ثرياً واحداً يملك سهماً واحداً من أسهمها ربما خسر كل ثروته لتسديد ديونها لأن ثروات المساهمين الآخرين ، وهي قليلة ، لا تكون كافية لتسديد ديونها رغم انهم يملكون الحصة الكبرى من تلك الأسهم ويحصلون على الجزء الأكبر من الربح . لقد فشلت صيغة الشركة المساهمة عندئذٍ أن تجتذب إليها المدخرات بالقدر المؤثر على النشاط الاقتصادي . ثم لما تغيرت القوانين لتنص على إمكانية جعل الشركة المساهمة ذات مسئولية محدودة ، حصل لها القبول لدى كل الناس بكل مستويات الدخل ، فاجتمعت لها الثروات الضخمة التي وجهتها إلى تمويل المشاريع الصناعية والزراعية والإنشاءات العقارية ...الخ .

 

 3-      الشريعة الإسلامية عرفت صيغة المسئولية المحدودة :

             لم تكن الشركات المساهمة بصيغتها المعاصرة معروفة للمسلمين قديماً وان عرفوا أنواعاً من صيغ الشركة . إلا أن صيغة المسئولية المحدودة كانت معروفة عند المسلمين وجاءت الشريعة الغراء لتقدم لها الأحكام المفصلة التي تجيب عن كثير من التساؤلات المعاصرة ، وذلك في صيغة ملكية الرقيق . لقد انتهى نظام الرق إلى غير رجعة . ولم يكن الإسلام يحبذه أو يسعى إليه . لكنه كان موجوداً فكان إلغائه في زمن التشريع سيعني أن المسلمين يُسترقون ولا يَسترقون. ولقد حرصت شريعة الإسلام في كل ناحية على تضيق مصادره وتوسيع سبل الخروج منه . فحثت على  إعتاق الرقيق .

            فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : "من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار حتى فرجه بفرجه" (متفق عليه) .

            وجعلت شريعة الإسلام العتق كفارة لعدد من المخالفات ، ونصت على أن جِده جد وهزله جد ، وجعلت المكاتبة حق للمسترق ليس لسيده ان يمنعه منه إلا أن يعلم أن لا خير فيه لذلك ، وجعل للمسلم أن يرد كل وصية أوصى بها إلا التدبير ، وجعل أولاد الحر من المستولده أحرار . ثم بعد ذلك أمر بالرفق بالمملوك وعدم تحميله ما لا يطيق وإطعامه وكسوته إلى آخر ما هو معلوم مشهور. لكن الرق كان موجوداً فجاءت الشريعة له بأحكام مفصلة شغلت حيزاً ليس باليسير من كتب الفقه . وتطورت هذه الأحكام تبعاً للنوازل في حياة المسلمين على مدى قرون كثيرة . لقد ظن البعض ان ليس لأحكام الرقيق ومعاملة العبيد مناط في حياتنا المعاصرة . وربما كان ذلك صحيحاً لأن الرق انتهى إلى غير رجعه . لكن تلك الأحكام تمثل أصولاً مهمة يمكن أن تلحق بها فروع المعاملات المالية المعاصرة لا سيما في مجال الشركات ذات المسئولية المحدودة وبخاصة الشركة المساهمة العامة وأحكام التعامل بالأسهم كما سيأتي تفصيله.

 

ملكية السيد للعبد هي صيغة من صيغ المسئولية المحدودة :

            لقد أجمعت المذاهب الإسلامية على أن مسئولية السيد عن تصرفات عبده  التي يترتب عليها الديون أو الالتزامات المالية أو أرش الجراح أو الديات لا تلحق السيد في ماله الخاص أبداً([10]) وهي محدودة بمال العبد أو بقيمته ومتعلقة برقبته أو بذمته . ولا فرق بين أنواع الرقيق، فالقن والمأذون له بالتجارة([11]) ، وغير المأذون([12]) ، والمدبر([13])، والمكاتب([14]) ، وأم الولد([15]) كلهم في هذه المسألة سواء([16]) إذ لا تمتد المسئولية عن ديونهم من التجارة ومن غيرها ولا أرش جراحهم ولا دياتهم أو عهده ما اشتراه العبد حتى لو كان مأذوناً([17]) أو المسئوليات المالية الأخرى المترتبة على تصرفاتهم لا تمتد إلى مال السيد بحال ، بل هي في مال العبد([18]) أو في رقبته([19]) أو في ذمته([20]) على اختلاف طفيف بين المذاهب الفقهيه في ذلك . وفي الجهة المقابلة فان العبد وماله وربح تجارته وما يُوصَى له من مال أو يتهب من هبه وما يكتسبه العبد من عمله حتى الصيد يصيده كل ذلك في ملك المولى([21]) .

 

قال المالكية :

            "وان قتل عبدُ عبداً مثله أو حراً عمداً وثبت القتل ببينة أو قسامة في الحر خُيِّر ولي المقتول ابتداءً في قتل العبد واستحياءه فان اختار القتل فواضح وان استحياه فلسيده الخيار ثانياً في أمرين تسليمه أو فداءه "([22]) .

 

وقال مالك في العبد المأذون له في التجارة :

            "ما لحقه من دين في تجارته تلك ان ذلك في ذمته" [المدونه ج6 ص364] وفي المدونه أيضاً : "قلت أرأيت إن أذن لأم ولده فتجرت فلحقها دين يغترق قيمتها أيكون ذلك على السيد أم في ذمتها في قول مالك قال قال مالك في العبد المأذون له في التجارة ما لحقه من دين في تجارته تلك ان ذلك في ذمته ليس في رقبته فكذلك أم الولد "([23]) .

            وإذا أفلس المكاتب بأموال الناس قال مالك :"يأخذون ما وجدوا له من مال ويبيعونه بما بقي ديناً عليه ولا يدخل ذلك في رقبته"([24]) .

وقال الشافعية :

            "جناية العبد الموجبة للمال .....تتعلق برقبته بالإجماع كما حكاه البيهقي إذ لا يمكن إلزامه لسيده لأنه إضرار به مع براءته ولا أن يكون في ذمة العبد إلى عتقه للإضرار بالمستحقين"([25]).

 وقال الحنابلة :

             " ... ما لزمة من الدين من اروش جناياته أو قيم متلفاته فهذا يتعلق برقبة العبد على كل حال مأذوناً أو غير مأذون رواية واحدة ... وكل ما يتعلق برقبته فان السيد يتخير بين تسليمه للبيع وبين فدائه فان سلمه فبيع وكان ثمنه أقل من أرش جنايته فليس للمجني عليه إلا ذلك ... وان كان ثمنه أكثر فالفضل لسيده ...."([26]) .

 

والظاهرية :

            " وأما جناية العبد على مال غيره ففي مال العبد إن كان له مال فان لم يكن له مال ففي ذمته يتبع بها حتى يكون له مال في رقه أو بعد عتقه وليس على سيده فداءه لا بما قل ولا بما كثر ولا إسلامه في جنايته ولا بيعه فيها وكذلك جناية المدبر والمكاتب وأم الولد والمأذون وغير المأذون سواء الدين والجناية كل ذلك سواء"([27]) .

وروى عبد الرزاق في مصنفه :

            "أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتاده قال دين العبد في رقبته ..." . "وأخبرنا عبد الرزاق عن الثوري عن يونس عن الحسن ابن عمرو عن إبراهيم قال : يباع العبد في دين وان كان أكثر من قيمته.."  " وأخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا الثوري عن مطرف عن الحكم في العبد المأذون له في التجارة قال لا يباع إلا أن يحيط الدين برقبته فيباع حينئذٍ" . "وإذا أعتقه سيده وعليه دين قال بعضهم في ذمته وقال بعضهم قيمة العبد على السيد"([28]) .

ويلخص جميع ما سبق كلام صاحب إعلاء السنن :

            " ولا خلاف بين الأئمة في جناية العبد أنها في رقبته وإنما اختلفوا انه في ماليته أو في ذمته فقال أبوحنيفه وأحمد ومالك والشافعي في قول إنها في ماليته لا في ذمته حتى لا يكون للمجني عليه حق في مطالبة العبد بعد العتق وقال الشافعي في قول أنها في ذمته حتى يباع العبد في الدين فان وفى فبها وإلا يطالب بما بقي بعد عتقه"([29]) .

            ووجه الاستدلال من ذلك كله إن ملكية السيد للعبد هي صيغة من صيغ المسئولية المحدودة . فهو يمتلك أصلاً رأسمالياً محققاً للدخل ذا قيمة سوقية ، ولكنه لا يتحمل مسئولية تزيد بحال عن قيمة ذلك الأصل ولا تمتد أبداً إلى أمواله الخاصة . فإذا تحمل الدين من أي نوع كان فهو على العبد سواء كان مأذوناً له بالتجارة أو غير مأذون أو مدبراً أو مكاتباً أو أم ولد ، وليس عليه حتى لو أعتقه وعليه ديون إلا قيمته لو بيع بدينه . فمسئولية السيد محدودة بقيمة الأصل الذي يملكه وهو العبد . إن هذه الصيغة مطابقة في نظرنا لصيغة الشخصية الاعتبارية ذات المسئولية المحدودة . ولذلك فان الأحكام في نوازل الشركة المساهمة يمكن أن تقاس على أصول معاملة العبيد في الفقه الإسلامي .

 

أوجه الشبه بين ملكية الرقيق والشركات ذات المسئولية المحدودة :

            لا ريب أن الشخصية الاعتبارية ذات المسئولية المحدودة هي شخصية يخلقها القانون ، وهي شخصية وهمية لا وجود لها إلا من خلال أثارها وممتلكاتها . أما العبد فهو شخصية طبيعية فهو إنسان من لحم ودم  . لعل هذا هو الاختلاف الوحيد بين الشخصيتين أما ما عدا ذلك فانهما متشابهتان بل متطابقتان . وقد يرد أن هذا اختلاف جوهري مؤثر . والجواب عن ذلك انه اختلاف جوهري ولكنه غير مؤثر في قياس الشركة ذات المسئولية المحدودة على أحكام الرقيق كما سنرى فيما بعد . إن حقيقة أن العبد إنسان حي وان الشخصية الاعتبارية وهمية يترتب عليه الافتراق بينهما في الأيمان والكفر وفي الوجائب العبادية كالصلاة والصوم وما فرضه الله على الإنسان من واجبات متعلقة بالبدن وما إلى ذلك . لكن كليهما في الواقع نِتاج القانون . فكما أن القانون هو الذي خلق هذه الشخصية الاعتبارية بأوصافها وسماتها ومنحها هذه الطبيعة المختلفة كذلك فان نظام الرق وليد التشريع الذي جعل هذا الإنسان ملكاً لآخر ، فالعبد ما صار كذلك إلا  بحكم قانون شرعي يولد هذا النوع من الشخصيات ويحدد معالمها وحقوقها والتزاماتها وعلاقات الآخرين بها تحول هذا الإنسان بناء عليه من حال الحرية إلى حال الرق ، تماماً كما ولدَّ القانون الشخصية الاعتبارية ذات المسئولية المحدودة . فالأصل هو حرية الإنسان وهذا ما دلت عليه الآثار فقد أخرج أبو داود عن علي رضي الله عنه قال :

            "خرج عبدان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني يوم الحديبيه قبل الصلح فكتب إليه مواليهم فقالوا يا محمد والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك وإنما خرجوا هرباً من الرق فقال ناس صدقوا يا رسول الله ردهم إليهم فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا وأبى أن يردهم وقال هم عتقاء لله عز وجل " .

 

            فدل ذلك على الأصل في نظام الإسلام أن الإنسان حر حتى يسترق بالطرق الشرعية ويتحول بها من الحرية إلى الرق . فشخصية المسترق هي نتاج القانون كالشخصية الاعتبارية .

 

            ولعلنا نورد الآن أوجه الشبه بين الشخصية الاعتبارية ذات المسئولية المحدودة وبين الرقيق لنثبت وجاهة القول بقياس الأولى على الثانية :

 

أ - ان كليهما أموال مملوكة لأصحابها :

            فالشخصية الاعتبارية ذات المسئولية المحدودة هي بحد ذاتها مال مملوك لصاحبه ، وربما تكون هذه الشخصية مالكة للأصول الحقيقية مثل العقارات والأراضي والمكائن أو النقود والديون أو لاسم تجاري مرموق أو رخصة لإنتاج سلعة أو خدمة أوان تملك  شخصية اعتبارية أخرى ...الخ ، مما يمثل جميعاً أموالاً مملوكة لها . وكذلك العبد فانه مال شأنه شأن كل مال آخر وهو يملك الأصول ويملك غيره من العبيد يبيعهم ويشتريهم ويكاتبهم (وسيأتي تفصيل ذلك) . ولذلك فقد جاءت الأحكام الخاصة بمعاملة العبيد تنظر إليه بهذا المنظار كما قال عمر بن الخطاب فيما رواه ابن المسيب عنه :

            "الرقيق مال قيمته بالغة ما بلغت في نفسه وجراحه" .

            وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : "إنما هو مال وان بلغ ثلاثين ألفا"([30]) يعني في الديات وأرش الجراج فان العبد إذا قتل خطأ لا تكون ديته كدية الحر بل هي قيمته يوم هلك بالغة ما بلغت حتى لو زادت على دية الحر ، لأنه مال فأشبه العروض . ولهذا أجازوا فيه كل المعاملات التي تجري في الأموال من بيع وشراء بالنقد والأجل وعارية  ووقف وقرض وسلم ، (وأستثنى قرض الإماء للمفاسد المترتبة عليه)([31]).( وأجاز الحنابلة إقراض الإماء للمحارم لأمن الفساد عندئذٍ . أنظر([32]) ) .

 

ب - يترتب على ملكية كليهما دخل مصدره عمل تقوم به الشخصية وآخر مصدره تحسن قيمتهما السوقية عند البيع :

 

            أما فيما يتعلق بالشخصية الاعتبارية فهذا جلي ، إذ يتحقق لحامل سهم الشركة ذات المسئولية المحدودة (أو مالكها الوحيد في البلاد التي تجيز ذلك) ريع سنوي ناتج عن عمل يولد ربحاً صافياً تؤديه الشركة ، كإنتاج السلع أو تقديم الخدمات ، والمصدر الآخر لدخل المالك فهو الزيادة التي ربما تحصل في قيمة السهم عند بيعه في السوق ، وهي ما يسمى "الكسب الرأسمالي"(Capital Gain)  فيشتري الإنسان السهم بمائة ثم تتزايد قيمته مع تزايد قدرة الشركة على الإنتاج وعلى تحقيق الربح .

وكذلك الحال في العبد ، فجميع كسبه لسيده ، قال في المهذب :

           

            "وإذا اكتسب العبد مالاً بان إحتش أو إحتطب أو عمل في معدن فأخذ منه مالاً أو ابتاع أو اتهب أو أوصى له بمال فقبل دخل ذلك في ملك المولى لأنه اكتساب ماله فكانت له"([33]) .

            وكل مال العبد فهو للسيد . أورد ابن المنذر في الاشراف في المكاتب يعجز وبيده فضل مال من الصدقات فقال :

            "... للسيد ما قبض منه في حال كتابته وله ما فضل بيده" .

ثم روى عن ابن عمر انه رد مكاتباً في الرق وأمسك ما أخذ منه([34]) . قال ابن قدامه في المغني :

            "وإذا عجز المكاتب ورد في الرق وكان قد تصدق عليه بشىء فهو لسيده" ([35]) .

حتى الجراح ليس للعبد ان يعفو إلا بإذن سيده . قال مالك في المكاتب يُجرح ليس له ان يعفو عن ذلك إلا أن يعتقه ثم يعفو بعد ذلك([36]) . وكذلك الهبه لا يهبها العبد ولا يتصدق إلا بإذن سيده([37]) .

 

            أما تحسن قيمته السوقية فهذا واضح فيما  كان لهم من عناية بتعليم الرقيق المهن والصناعات والقراءة والكتابة والأدب ...الخ ، ثم بيعه بعد أن يكون أتقن تلك الأشياء  ، بربح يمثل زيادة على قيمته شرائه ، وما كان من تربية للصغار وما إلى ذلك .

 

ج -  كلاهما يكون للتجارة أحياناً وللقنيه أحياناً أخرى :

 

            ربما امتلك الناس الشركات وأسهمها لغرض الاستثمار طويل الأجل بالاحتفاظ بهذه الملكية لسنوات طويلة والحصول في كل عام على الريع التي توزعه الشركة على حاملي أسهمها ، وربما كان غرض المالك هو التجارة بشراء تلك الأسهم  ثم بيعها والحصول على الربح  ، كسائر عروض التجارة . وكذلك حال الرقيق ، فهو عرض من عروض التجارة ربما امتهن بعض الناس تجارته وحقق الربح من بيعه وشراءه ، وربما أقتناه البعض لغير غرض التجارة كأن يكون صانعاً حاذقاً ، أو تاجراً أو فلاحاً أو كاتباً أو أن تكون أم ولد له أو خادمته تخدمه أو غير ذلك . فينتفع بخدمته أو الاستيلاء منها أو بالدخل المتولد من عمله في الصناعة والتجارة أو في خدمة الغير وربما امتلك عبداً أو أمة واحدة وربما امتلك العشرات .

 

د -  كلاهما يملك ملكاً ناقصاً غير مستقر :

 

                        ان من أهم سمات الشخصية الاعتبارية هي الأهلية التي يضفيها عليها القانون للتملك . فهي تمتلك الأصول المختلفة من نقود وديون وعقارات ومنافع وكل ما هو متمول ، وكذلك تمتلك غيرها من الشخصيات الاعتبارية بصفة كاملة أو جزئية . إلا أن الشخصية الاعتبارية تمتلك ملكاً ناقصاً غير مستقر لأن المالك الأصلي لهذه الشخصية الاعتبارية يستطيع ان ينقله من ملكها إلى ملكة مباشرة . مثل ان يتفق الشركاء على خفض رأس مال الشركة أو بيع بعض أصولها ثم توزيعه على مالكي أسهمها أو ما إلى ذلك من التصرفات التي تظهر ان ملك الشخصية الاعتبارية وان كان محترماً في ظل القانون إلا أنه ملك ناقص لأن المالك الأصلي يستطيع انتزاعه منه متى شاء([38]) يقول السنهوري في الوسيط في شرح قانون الشركات المساهمة " لا يعتبر المال المملوك للشركة ملكاً شائعاً بين الشركاء بل هو ملك للشركة ذاتها إذ هي شخص معنوي .." . وكذلك حال العبد فهو يمتلك الأعيان والديون والنقود وأمثاله من العبيد وكل ما يمكن أن يكون محلاً للملك ملكاً ناقصاً غير مستقر .

           

                        وقد رد المالكية على قول من قال إن العبد لا يملك فقالوا : في قوله صلى الله عليه وسلم "من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا ان يشترطه المبتاع" ، أضاف المال إلى العبد باللام واللام تقتضي الملك فان اللام متى قرن بها ما يملك إقتضت الملك . وبمثل هذه الإضافة أضيف المال إلى البائع فدل ذلك على ملكه له . ومنها قوله صلى الله عليه وسلم إلا أن يشترطه المبتاع فدل على أنه للعبد وليس للبائع ولا المبتاع أي لمن كان له قبل البيع([39]) ، ومنها ان العبد لو كان له عبيد فأعتق السيد العبد لا يعتق العبيد بل يبقون في مال العبد إلا أن يشترطهم السيد أو ينتزعهم منه قبل العتق([40]) ، ومنها ما رواه مالك في الموطأ وغيره ان العبد إذا عتق تبعه ماله :

 

            "حدثني مالك عن أبي شهاب انه سمعه يقول مضت السنة ان العبد إذا عتق تبعه ماله "

وقال مالك :

            "ومما يبين ذلك ان المكاتب إذا كوتب تبعه ماله إلا أن يشترطه المكاتب "([41]) .

 

            ومنها ان العبد لو كان له جاريه فانه يستحل فرجها بلا نكاح ولا إذن سيده وهو جائز ، فلا يكون ذلك إلا بامتلاكه أياها فدل على انه يملك .

            إلا أنه في كل ذلك يملك ملكاً ناقصاً يختلف فيه عن الحر([42]) . يقول ابن شاس في عقد الجواهر الثمينه :

            "...ثم المأذون له وغيره يملك ملكاً لا يساوي الحر فيه فملكه غير مستقر لأن للسيد ان ينتزعه منه متى شاء"([43]) .

ويقول القرافي في الذخيرة :

            "والعبد عندنا يمتلك ملكاً غير مستقر دون ملك الحر"([44]) .

ويقول القاضي عبدالوهاب في التلقين :

            " والعبد يملك ملكاً ناقصاً ينتزعه سيده إذا شاء ... " ([45]) .

 

ويقول صاحب المغني في مسألة هل يملك العبد :

 

            "فيه روايتان .... والثانية يملك وهي أصح عندي وهو قول مالك والشافعي في القديم للآية والخبر ولأنه آدمي حي فملك كالحر ولأنه يملك في النكاح فملك في الحال كالحر ولأنه يصح الإقرار له فأشبه الحر.."([46]) .

            وقد أغفلت الدراسات الفقهية المعاصرة هذه المسألة وتجاهلت الطبيعة المختلفة لملكية الشركة ذات المسئولية المحدودة للمال وافترضت ان المساهم تام الملك على موجودات الشركة وان الأخيرة تملك ملكاً تاماً مستقراً والأمر ليس كذلك . فان المال الذي يمثل حصة حامل السهم لا يكون في يده فملكه ملك ناقص ، وكذلك المال في يد الشركة فان للمالك (أو الملاك وهم حملة الأسهم) أن ينتزعوه منها متى أرادوا فملكها عليه ناقص غير مستقر . والقوانين المنظمة لعمل الشركات السماهمة تدل على ذلك بوضوح .

 

هـ - كلاهما يكون مملوكاً لفرد واحد أو لعدد من الأفراد بالاشتراك :

 

            فالشخصية الاعتبارية ذات المسئولية المحدودة يمكن ان تكون مملوكة لعدد من الأفراد يقل أو يكثر ، مثال ذلك الشركة المساهمة التي يحمل أسهمها عدد من الناس ، وربما تكون مملوكة لفرد واحد . إذ تجيز بعض القوانين الغربية تجيز ان يكون للشخصية الاعتبارية مالك واحد لاسيما عندما يكون هذا المالك شخصية اعتبارية أخرى. وكذلك الحال في العبد ، فانه ربما يكون مملوكاً لفرد واحد وربما اشترك فيه اكثر من فرد . وقد تضمنت كتب الفقه أحكام الرقيق عندما يشترك في الملك فيه أكثر من مالك في أمور بيع الشقص والعتق والمكاتبة والوطء في الجواري ....الخ .

 

 

و - مسئولية المالك في كليهما محدودة بالقيمة الكلية :

            ذكرنا أن مسئولية المالك في الشخصية الاعتبارية (ذات المسئولية المحدودة ) محدودة بما دفعه كرأس مال لها وبما تراكم لديها من أرباح مستبقاه أو أصول ذات قيمة ولا تمتد إلى أمواله الخاصة بحال . وكذلك أمر الرقيق فربما كان العبد تاجراً يجمع الأموال الكثيرة التي استبقاها السيد لديه أو كان فقيراً معدماً أو كانت أم ولد أو عبداً مدبراً أو مكاتباً فهو في جميع هذه الأحوال ليس لغرمائه من دين أو غيره التنفيذ  إلا على ما في يد العبد أو تعليق ذلك في رقبته أو ذمته فمسئولية السيد محدودة بقيمة العبد وبما في يده من مال ولا يمتد شئ من ديونه والتزاماته إلى أموال السيد بحال .

 

4-    قياس مسائل الشركات المساهمة على أحكام معاملة الرقيق :

             ذكر الغزالي القياس في المستصفي  فقال هو :

             " حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من إثبات حكم أو صفة أو نفيها عنهما "([47])  .

وعرفه الرازي بأنه :

            "إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت"([48]) .

وعرفه أبو الوليد الباجي بأنه :

 

                        "حمل أحد المعلومين على الآخر في ايجاب حكم واسقاطه بأمر يجمع بينهما "([49]) .

           

            وهذا الأمر المشترك بين الأصل والفرع ، والذي من أجله ألحق حكم ذلك الفرع بحكم الأصل هو العلة . وقد فرق علماء الأصول بين العلة العقلية التي قال بها الفلاسفة والعلة الشرعية التي ينبني عليها قياس الاحكام . قال الباجي في احكام الفصول:

                        "أحكام الشرع لم ترد على بناء القياس العقلي لأن ذلك يوجب ان كل متساوين ومتماثلين فحكمهما واحد وان كل مختلفين فحكمهما مختلف فما خالف هذه الطريقة علم فساده وقد ورد أن الشرع ورد بالتسوية بين حكم المختلف في الصفة والمعنى والمخالفة بين حكم المتفق فيهما"([50]) .

 

وأضاف :

                        "[و] لا علة لشىء من الاحكام الشرعية في الحقيقة لأن العلة ما ثبت الحكم بثبوتها وانتفى بانتفائها وانما هذه امارات وعلامات وان سميت عللاً فعلى سبيل المجاز والاتساع لأنها قد تنتفي ويبقى الحكم فلا يمنع على هذا ان يجعل الطعم [علامة] لتحريم التفاضل في البيع والشدة المطربة علامة على تحريم الشراب"([51]) .

            والقياس عند الأصوليين على ضربين ، قياس العلة وقياس الدلالة ، ومنه قياس الشبه وهو "أن يحمل الفرع على الأصل بضرب من الشبه"([52]) .

                        وقد قال به أكثر المالكية وان انكره جماعة من أصحاب الشافعي . قال ابو الوليد الباجي :

                        "والدليل على ذلك ان العلل الشرعية ليست بعلل في الحقيقة وإنما هي علامات وامارات بالموافقة ولا فرق بين أن يجعل شبه الفرع بالأصل دلالة على لحاقه في حكم من الاحكام وبين أن يجعل العلامة والدلالة علة "([53]) .

ثم قال :

                        "وقياس العلة وقياس الشبه معناهما واحد وانما الفرق بينهما ان الحكم معلق على أحدهما على سبيل العلة وفي الآخر على سبيل العلامة"([54]) .

           

            واستدلوا برسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري والتي هي أصل في اثبات العمل بالقياس إذ قال :

                        "الفهم الفهم في ما تلجلج في نفسك مما ليس في كتاب ولا سنة ثم اعرف الاشباه والامثال فقس عند ذلك على أشبهها بالحق"([55]) .

                        وأوردوا واقعة استشارة عمر للجماعة في حد شارب الخمر إذ لم يكن عند أحدهم نص فقال علي رضي الله عنه :

                        "أرى أن يحد حد المفتري وقاسه عليه وقال لأنه اذا شرب هذى وإذا هذى إفترى وإذا افترى وجب عليه الحد" فلم ينكر أحد عليه ذلك مع أن هذه العلامة التي جمعت بينهما لم يخبر بها كتاب ولا سنة .

                        قال القاضي أبوبكر والقاضي أبوجعفر القياس لا يحتاج إلى أكثر من تشبيه الشىء بالشىء على ما يقع بالنفس دون اعتبار معنى زائد على ذلك يطلبه القائس([56]) .

           

         والذي نحاول إثباته في هذه الورقة أن نوازل ووقائع الشخصية الاعتبارية ذات المسئولية المحدودة وأهمها الشركة المساهمة هي فروع يمكن أن تلحق بأصل في الشريعة وهو أحكام الرقيق . وان المسئولية المحدودة هي العلامة التي تجمع بينهما والشبه الذي يربطهما والاماره التي تدل على أن هذا فرع يلحق بذلك الأصل .

           

                        فان قيل إن أحكام الرقيق لم يبن فيها تأثير هذه العلة والحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً فإذا لم ترتبط تلك الأحكام بالعلة المذكورة فكيف يقاس عليها الفرع وهي لم يبن تأثيرها في الأصل . ؟

 

            قلنا قد اختلف الأصوليون في هذه المسألة فقالت طائفة ان من شرط صحة العلة ان يبين لها تأثير في الحكم في موضع ما وان ينتفي الحكم بعدم العلة . والصحيح خلاف ذلك . قال الباجي :

            "والذي عندي في ذلك ان التأثير دليل على صحة العلة وعدمه لا يدل على فساد العلة إذا دل على صحتها"([57]) .

وقال الشيرازي :

            ".. إذا دل الدليل على صحة [العلة] وجب الحكم بصحتها وان لم يبن  لها تأثير "([58]) .

            والصحيح ان العلة لا يعرف تأثيرها في الحكم إلا عند إلحاق الفرع بالأصل وليس قبل ذلك . فإذا قيل الخمر حرام ثم قلنا ان العلة هي الاسكار لا يظهر ذلك إلا عندما نلحق بها المخدرات أو النبيذ ، لأننا قبل ذلك قد كان دليلنا هو النص فلم نحتج إلى معرفة العلة ولا ندري ما تأثيرها .

 

            والقياس الذي نقول به في المسألة المطروحة معتمد على وصفين  مشتركين لكليهما تأثير في الحكم ، مع أن التأثير غير لازم لصحة التعليل كما أسلفنا . أما الأول فهو المسئولية المحدودة وقد عرضنا الأدلة عليه وفصلنا في بيان جوانبه المختلفة . وهو وصف قد اختص بالعبيد والشخصية الاعتبارية ذات المسئولية المحدودة وحصل بينهما المطابقة في هذا الوصف . وتأثيره في الحكم واضح جلي قد تحدثنا عنه آنفاً بما لا يحتاج إلى مزيد .

 

            والثاني وصف مشترك لا يقتصر على العبيد والشخصية الاعتبارية بل هو ظاهر في مسائل كثيرة . هذا الوصف المشترك بينهما هو أن العبد والشركة كلاهما شخصيات تتصرف بأموال ملاكها خارج نطاق الإرادة المباشرة لأولئك الملاك . هذا الوصف المشترك بين العبد والشخصية الاعتبارية ذات المسئولية المحدودة كافٍ لحصول القياس. فان قيل ولكن ذلك حاصل في كل شركة ، رُد عليه بأن أحكام الشركة في الفقه تدل على أن الشركاء كل واحد منهم وكيل ينوب عن صاحبه  بحكم الشركة ولذلك فان تصرفاته إنما هي مستمدة ليس من حقيقة الاشتراك بل من هذه الوكالة . أما العبد فهو مملوك وكذلك حال الشركة المساهمة ذات المسئولية المحدودة فأنها مملوكة للشركاء . فالعبد لا يتصرف بالمال وكالة عن السيد بل لأنه يملكه مع أن العبد نفسه مملوك للسيد . فملكية العبد وملكية السيد كلاهما ملكية ذات طبيعة خاصة . وكذلك الحال في الشركة ذات المسئولية المحدودة فالموظفون فيها ليسوا وكلاء عن الملاك بل هم أُجراء للشركة لا للملاّك ، وليست الشركة وكيلاً عن ملاكها لأنها تملك المال بنفسها مع أنها ملك لهم . وفي كل مرة يتصرف الأصل المملوك للانسان بصفة مستقلة عنه ، حرصت الشريعة على تحديد مسئولية المالك . ولذلك شواهد في أحكام أخرى .

 

            (أ) منها قوله صلى الله عليه وسلم العجماء جبار . وقد روى عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري عن الأسود بن قيس عن أشياخ لهم أن غلاماً دخل دار زيد بن صوحان فضربته ناقة لزيد فقتلته فعمد أولياء الغلام فعقروها فاختصموا إلى عمر بن الخطاب فأبطل دم الغلام وأغرم الأب ثمن الناقة([59]) . وقال سفيان في رجل كانت في داره دابه قال إذا كان عليها راكب أو ممسك فأصابت إنساناً فقد ضمن وان ربطها في ناحية الدار فأصابت إنساناً فلا ضمان عليه فإذا كانت تسير فنضحت (أي ضربة بحافرها) فأصابت إنساناً فليس عليه ضمان(