،                                         

الصفحة الرئيسية

محاضرات عامةالسيرة الذاتية

سؤال وجوابالتدريسالبحوث

الروابط

الكتب

خطب

 

نحو صيغة إسلامية لأسهم التميز

 

 

تحصل الشركات المساهمة على المال عن طريق إصدار أنواعٍ من الأوراق المالية أهمها الأسهم الاعتيادية (Ordinary shares , common stock) التي تمثل قيمتها الكلية ما يسمى في لغة المحاسبة "حقوق الملكية" (Equity) . ويتمتع حملة هذه الأسهم بالحقوق المقررة ، في المعتاد ، للملاك([1]) . ولا يقل عنها أهميةً الأوراق المالية الأخرى التي تحتاج إليها الشركة المساهمة الحديثة لتمويل عمليات توسعها وإطفاء حاجاتها المختلفة إلى المال ومنها سندات الدين وأسهم التميز (وتسمى أسهم الامتياز والأسهم الممتازة Prefered Stock , Preference Shares ) . وتمثل هذه المصادر الثلاثة للتمويل هيكل رأس مال الشركة المساهمة Capital Structre  بالتعريف المالي([2]) . والأسهم الاعتيادية هي أساس عمل الشركة وتصدرها عند بدء نشاطها وتمثل المصدر الأول للأموال لديها . ويتحمل أصحاب الأسهم الاعتيادية القدر الأكبر من المخاطرة التجارية الناتجة عن نشاط الشركة إذ هم في ذيل المطالبة عند تصفية الشركة ولكنهم يحصلون على نصيب الأسد من الأرباح التي تحققها الشركة في المدى الطويل .

    أما الأسهم العادية فقد قال جمهور الفقهاء المعاصرين بجوازها وجواز المعاملات التي تجري فيها ما دام أن الشركة تقوم بنشاطات مباحة ولا يترتب على التعامل بالأسهم محظور  شرعي ، والربا أو الغرر بيع الدين بغير شروطه ....إلخ.

    أما سندات الدين فهي لا تجوز لأنها قروض بزيادة فدخلت في ربا الديون المقطوع بحرمته([3]) .

    وبين الأسهم الاعتيادية وسندات الدين المضمونة بأصول الشركة([4]) أوراق مالية أخرى تنضوي تحت ما يسمى (Mezzanine Finance) ([5]).      

    أما أسهم التميز ، فمع أن المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (المجمع الفقهي الإسلامي الدولي) قد اتخذ  قراراً بشأن صنف واحد من أسهم التميز في دورة مؤتمره السابع سنة 1412هـ،  مع ذلك فإن الموضوع لم يحظى بما يستحق من الدراسة لإيجاد التصور الصحيح الذي ينبني عليه الحكم في المسألة . وسوف أحاول في هذه الورقة أن أبين أن لأسهم التميز - صيغاً يمكن أن تكون مقبولة ومتوافقة مع الأحكام الشرعية ذات العلاقة .

 

تعريف أسهم التميز :

    أسهم التميز هي أوراق مالية (Securities) تصدرها شركة مساهمة لها أسهم عادية. ومن هنا جاءت صفة التميز إذ المقصود بها أنها تتميز على الأسهم العادية وهي مصدر من مصادر تمويل نشاط الشركات القائمة التي بدأت أعمالها اعتماداً على ما بيدها من أموال حملة الأسهم العادية . وتختلف الشروط التي تصدر بها هذه الأسهم بما لا يمكن حصره في هذه الورقة ، لكن لها صفات أساسية اشتهرت بها وهي لا تخلو منها في كل صيغة وهي :

1 - ان حاملها ليس له حق التصويت في الجمعية العمومية لحملة الأسهم إذ يقتصر ذلك على حملة الأسهم الاعتيادية فقط([6]) .

2- تعهد الشركة المصدرة لأسهم التميز برد القيمة الاسمية لها إلى حملتها في وقت من الأوقات تحدده الشركة  وأحياناً في تاريخ معين ، وفي أكثر الأحوال له حق الاستمرار حاملاً للسهم الممتاز مدة غير محدودة . وقد تتضمن شروط الاصدار إمكانية تحول السهم الممتاز إلى سهم عادي بمعادلة متفق عليها مسبقاً .

3- يحصل حامل السهم الممتاز على نصيب من الربح لكنه يسبق في ذلك حملة الأسهم العادية الذين يحصلون على ما بقي من الربح بعد أن تدفع الشركة لحملة الأسهم المتازة نصيبهم الموعود. ويتم ذلك بطرق متعددة أكثرها انتشاراً أن تضمن الشركة لحامل السهم الممتاز مبلغاً من الربح السنوي منسوباً للقيمة الاسمية للسهم (5% مثلاً) وقد تجعل الشركة العائد على السهم مرتبطاً بمعادلة تضمن له التغير تبعاً لتغير مؤشرات معينة في الاقتصاد كسعر الفائدة([7]). وفي كل الأحول لا يستحق حامل السهم الممتاز الربح إلا إذا تحقق ، وفي كثير من الصيغ لا يستحق إلا بقرار من مجلس الإدارة  بتوزيع الربح . فإذا قرر مجلس الإدارة رفع مجمل الدخل الصافي في سنة من السنوات ليكون جزءاً من احتياطيات  الشركة ، ليس لحامل السهم الممتاز (في أكثر صيغه) المطالبة بالربح . فالعنصر الأهم إذاً هو تميز حامله على حامل الاسهم الاعتيادية .

 

حامل السهم الممتاز هل هو شريك أم دائن للشركة :

          قد جرى العرف واستقر النظر على أن حامل السهم الاعتيادي ليس دائناً للشركة بل هو شريك مالك لسهم فيها وإنه يختلف عن حامل السند الذي يكون دائناً للشركة .

    ومن الجلي أن صيغة سهم الامتياز هي مرحلة متوسطة بين السهم الاعتيادي وسند الدين ، فهل  يعد في القوانين المنظمة للشركات شريكاً مالكاً للشركة أم هو دائن لها ؟ .

    الذي يظهر ان القوانين المنظمة لعمل الشركات إنما تنظر إلى سهم الامتياز على أنه يمثل نوعاً من الملكية (Equity) وليس ديناً على الشركة . ولذلك لا تعطي تلك القوانين لحملة أسم التميز حق إرغام الشركة على تصفية أعمالها للوفاء بالتزاماتها لهم . فهي (أي الشركة) إذا لم تحقق في سنة من السنوات الربح أو  حققت ربحاً ولكنها قررت عدم توزيعه على المساهمين أو لم يكن بمقدورها رد القيمة الاسمية إلى حملة أسهم التميز في الأجل المحدد (أو عند الوقت الموعود في نشرة الاصدار) لم يكن لهم إلا الانتظار حتى تتوافر على مثل ذلك([8]) .

    هذا بخلاف حملة الأسناد (وهم دائنون للشركة) اللذين يكون لهم الحق في إرغام الشركة على تصفية أعمالها وبيع بعض أو كل أصولها لتسدد لهم إذا حان أجل الدين أو أجل دفع الفائدة عليه ولم يكن لدى الشركة ما يكفي لذلك . ويكون لهم الأولوية على حملة جميع أنواع الأسهم بما فيها أسهم التميز . وفي الحالات التي يكون السند مضموناً بأصول بعينها يكون لحملة الأسناد حق الاستيلاء على تلك الأصول وبيعها لاسترداد دينهم . 

    يمكن القول عندئذٍ ان الثابت في أسهم الإمتياز هو تميزها على الأسهم الاعتيادية فحسب . فلا تكون أسهم امتياز لو كان للشركة ان تدفع أرباحاً لحملة الأسهم الاعتيادية وتمنع أسهم الامتياز من ذلك .

 

نبذة  تاريخية :

          ربما تكون سندات الدين أقدم الأوراق المالية التي أصدرتها الشركات وتداولها الناس في الأسواق . ومن الثابت أن الحكومات والشركات شبه الحكومية في أوروبا منذ القرن الخامس عشر وربما قبل ذلك قد قام نشاطها إبتداءً على إصدار سندات الدين وليس الأسهم وتعود صيغة أسهم التميز إلى هذه الفترة . ولذلك ليست أسهم التميز من المخترعات المالية الحديثة بل هي قديمة . وقد ادعى بعض الكتاب أنها تعود إلى القرن السادس عشر في أوروبا عندما صارت بعض الشركات تصدرها لفئة من ملاكها فهي ربما تكون سابقة حتى للأسهم العادية وانها جاءت في الأصل بديلاً عن أسهم الدين ، وعنصر التميز فيها يكون عندئذٍ على حقوق ملاك الشركة حتى لو لم يكن لها أسهم عادية متداولة . ومن الثابت تاريخياً ان الأسهم بجميع أنواعها صممت لتكون بديلاً عن السندات ولذلك أخذت كثيراً من ملامحها وصفاتها بما في ذلك حساب ريعها كنسبة من قيمتها الاسمية وهو ما كان متبعاً إلى عهد قريب([9]) . إلا ان المتفق عليه أن الفترة التي شهدت انتشار العمل بأسهم التميز حتى احتلت مكانها المهم ضمن صيغ تمويل الشركة هي الأربعينيات من القرن التاسع عشر في بريطانيا عندما قامت شركات القطارات وشركات إدارة القنوات المائية وكانت أهم الشركات المساهمة عندئذٍ بالتمويل عن طريق إصدار هذا النوع من الأسهم . وقد جاء ذلك بصفة أساسية كرد فعل للقوانين الحكومية التي تمنع أن يزيد حجم ديون الشركة عن ثلث رأسمالها المدفوع . الأمر الذي دفع الشركات التي تحتاج إلى التمويل وقد استغرقت الديون ما يساوي ثلث رأسمالها المدفوع ان تصدر أسهم الامتياز تعد هذه الأسهم من حقوق الملكية وليست ديوناً على الشركة فلا تخالف قوانين الحد من الديون المشار إليها والتي كانت موجودة في القرن التاسع عشر في بريطانيا .

 

لماذا تصدر الشركات أسهم التميز ؟ :

          ان البواعث على إصدار الشركات لأسهم التميز قديماً لا زالت موجودة اليوم ولعل أهم الأسباب التي تدفع الشركات المساهمة الحديثة لإصدار أسهم التميز هي :

 

1- حاجة الشركة إلى التمويل مع رغبة ملاكها الحاليين استمرار سيطرتهم على إدارة الشركة . في مثل هذه الأحوال ليس أمام الشركة إلا الاقتراض أو إصدار أسهم التميز . أما إصدار الأسهم الاعتيادية فإنه يؤدي إلى تغير هيكل الملكية ومن ثم دخول شركاء جدد ربما أعادوا توجيه الشركة إلى غير ما يرغب فيه الملاك القدامى . وليست الاستدانة أمراً يسيراً على جميع الشركات إذ يضطر بعضها إلى دفع نسب عالية من الفوائد إذا كان مركزها المالي ليس بالقوي . وحتى لو اصدرت السندات فإنها تتضمن مخاطرة أعلى بالنسبة للشركة إذ ربما تعجز عن دفع الفائدة على السندات أو قيمتها الاسمية فيعمد حملة الاسناد إلى إرغام الشركة على التصفية . أما إصدار أسهم التميز فهو يتضمن مخاطرة أقل بالنسبة للشركة المصدرة . 

 

2- وفي بعض الحالات لا يكون لدى الشركة خيار آخر للحصول على التمويل فتصدر  أسهم الامتياز . ويحدث هذا كثيراً  في الشركات الصغيرة الناشئة التي تطور اختراعاً جديداً أو ما شابه ذلك . مثل هذه الشركات لا تستطيع الاقتراض من البنوك ولا من السوق المفتوحة لأن الشركة لا تتوافر على الأصول الكافية لتوثيق الدين بالرهن ، أو بالقدر الذي يبعث الاطمئنان في قلوب الدائنين . وفي نفس الوقت لا تغري أسهمها الاعتيادية المستثمرين بشرائها لسيطرة الإدارة على مقدرات الشركة وعلى ملكيتها وخوف المستثمرين أن يتم تطوير الاختراع ثم يقوم أصحاب الشركة الأصليين بتصفيتها وحرمان الملاك الجدد من ثمرات الاستثمار لا سيما وإن ذلك لا يظهر إلا بعد سنوات طويلة . فتكون صيغة أسهم التميز مناسبة لأنها تلزم الشركة في حال التصفية برد رأس المال إلى أصحابه ان سلم .

 

لماذا يشتري المستثمرون أسهم التميز :

          كما أن لإصدار أسهم التميز بواعث لدى الشركات المصدرة لها فإن لمن يشتريها ايضاً تفضيلات استثمارية يحققها هذا النوع من الأوراق المالية . فمن مميزات هذه الأسهم (من جهة المشترين لها) أنها تحقق دخلاً ثابتاً لحاملها ، ولكنها بخلاف سندات الدين  (التي تحقق دخلاً ثابتاً أيضاً ) فإنه (أي سهم التميز) يتضمن احتمال تحقق زيادة رأسمالية كبيرة . وسبب ذلك أن الوضع الذي تصدر فيه الشركات أسهم التميز هو الوضع الذي تكون أحوالها المالية في حال ضعف لا قوة . ويعقب ذلك في أكثر الأحيان تحسن كبير بعد حصولها على المال ينعكس على صفة زيادة رأسمالية كبيرة في أسعار أسهمها ومنها اسهم التميز . أما السندات فلا يحصل حاملها إلا على مبلغ الدين (القيمة الاسمية) ومن البواعث على الشراء ان  تحرك أسهم التميز  مع أسعار الفائدة أكثر قابلية للتوقع بخلاف الأسهم العادية ولذلك يجد بعض المستثمرين وبخاصة صناديق الاستثمار التي تحتاج إلى الارتباط في عملياتها بسعر الفائدة ان أسهم التميز تتوافق مع سياستها الاستثمارية أكثر من الأسهم العادية التي يصعب توقع اتجاه أسعارها عند تغير سعر الفائدة . كلا النوعين من الأسهم يتأثر بالتغيرات التي تحدث في أسعار الفائدة . وانخفاض أسعار الفائدة يؤدي إلى اتجاه أسعار أسهم التميز إلى الارتفاع . لكن تأثر الأسهم العادية بمثل ذلك الانخفاض يحتمل الارتفاع والانخفاض (أو عدم التأثر) اعتماداً على طبيعة الشركة وأحوال القطاع الذي تعمل فيه .

 

أقوال الفقهاء المعاصرين في أسهم التميز :

          ان الكتابات الفقهية في أسهم التميز قليلة ، ولم تتطرق أكثر الكتب الفقهية المعاصرة في موضوع الشركات لهذا النوع من الأسهم([10]) . وتكاد تنحصر في البحوث المقدمة إلى المجمع الفقهي في دورة مؤتمره السابع بجدة من 7-12 ذي القعدة 1412هـ ، وقد تمخضت تلك البحوث والمناقشات في موضوعها عن قرار للمجمع بشأن الأسهم الممتازة هذا نصه :

     " لا يجوز إصدار أسهم ممتازة لها خصائص مالية تؤدي إلى ضمان رأس المال أو ضمان قدر من الربح أو تقديمها عند التصفية أو عند توزيع الأرباح ويجوز إعطاء بعض الأسهم خصائص تتعلق بالأمور الإجرائية أو الإدارية "([11]) .

    والذي يهمنا هنا هو التعليل الذي بني عليه الفقهاء المعاصرون قولهم بعدم الجواز . الذي يظهر لنا من استقراء تلك الكتابات ان علة القول بعدم الجواز إنما اعتمدت على قياس الشركة المساهمة على شركة العنان ومن المعروف أن أحكام شركة العنان تنص على ضرورة  تحقق العدالة بين الشركاء من جهة تحمل المخاطرة واقتسام الربح . وقد نص الفقهاء رحمهم الله تعالى على أنه لا يجوز اشتراط ربح ثابت لأحد الشركاء ولا اشتراط أن يكون لبعضهم الأسبقية على الآخرين في الربح أو في استرداد رأس المال عند التصفية . وعلى ذلك قاسوا أسهم الامتياز وقالوا فيها بعدم الجواز لأنها تتضمن مثل هذه الشروط .

 

التصور الصحيح لأسهم التميز :

          ان الآراء المذكورة أعلاه إنما اعتمدت على تصور للمسألة يتجاهل أثر الشخصية الاعتبارية للشركة المساهمة على المسألة ، ولا يتضمن حقيقة ان للشركة المساهمة الأهلية للتعاقد مع الأطراف الأخرى في أنواع العقود المختلفة . وان إصدار أسهم التميز ليس معاقدة بين الشركاء القدامى وأولئك الذين يشترون أسهم التميز بل العاقدان في عملية الاصدار هما الشركة وأولئك الذين يشترون هذه الأسهم .

  

صيغة أسهم الامتياز موجودة في البنوك الإسلامية وان لم تسمى بهذا الاسم:

    من المعلوم ان البنوك الإسلامية هي المؤسسات التجارية الوحيدة في مجتمعات الإسلام التي تتم كافة نشاطاتها تحت إشراف شرعي مباشر (هيئة شرعية) أو غير مباشر (استشارات ومؤتمرات) وصيغة أسهم الامتياز كثيرة الانتشار في عمل البنوك الإسلامية ، بل هي أساس عملها ، دون أن يعترض عليها من الناحية الشرعية . وهي لا تسمى بهذا الاسم كما سيأتي تفصيله .

    ان البنك الإسلامي هو مؤسسة ذات شخصية اعتبارية وهي في الغالب شركة مساهمة محدودة . ويمثل ما دفعه حملة الأسهم الاعتيادية رأس مال البنك ويصبح حملة هذه الأسهم هم ملاك البنك  وأعضاء جمعيته العمومية الذين يمارسون توجيه البنك بقوة التصويت التي يمتلكونها بقدر أسهمهم ، واختيارهم مجلس الإدارة .

    وعندما يبدأ البنك نشاطه فإنه يحصل على الأموال من العملاء في نوعين رئيسين من الحسابات هي الحسابات الجارية والحسابات الاستثمارية المختلفة . الذي يهمنا منها هنا هو الحسابات الاستثمارية . من المعلوم أن أصحاب الحسابات الاستثمارية يربطهم بالبنك عقد مضاربة (قراض) يكون هم فيه أرباب الأموال والعامل هو البنك ، أي الشخصية الاعتبارية التي تتوافر عليها الأهلية للتعاقد . وتختلط أموال البنك من مصادرها المختلفة لتمويل عملياته التجارية ونشاطاته المختلفة ولو أمعنا النظر في أصحاب الحسابات الاستثمارية لأدركنا أنهم يشبهون حملة أسهم الامتياز في الشركات المساهمة الحديثة للأسباب التالية :

1- أنهم شركاء وليسوا دائنين للبنك يعمل البنك بأموالهم ولكنه لو خسر تلك الأموال التي استثمرها على أساس المضاربة فليس لهم المطالبة بالتعويض من أمواله الأخرى([12])   كما لا يستطيعون إرغامه على التصفية كما يفعل الغرماء في الدين .

2- أنهم لا يشاركون في الإدارة إذ ليس لهم حق التصويت كحملة الأسهم العادية .

3- إن لهم الأسبقية على حملة الأسهم العادية عند التصفية ذلك أن البنك لو صفى أعماله فإنه (بعد تسديد الديون المتمثلة في الحسابات الجارية) سيبدأ في رد رأس مال المضاربة إلى أصحاب الحسابات الاستثمارية أولاً فإذا بقي مما في يده من الأموال شئ صار إلى حملة الأسهم العادية وإذا لم يبقى خسر هؤلاء حصصهم . وهذا بالضبط هو وضع أصحاب أسهم التميز في الشركة المساهمة الحديثة([13]) .

4- أما بالنسبة للربح فإن لأصحاب الحسابات الاستثمارية أولوية في نصيبهم من الربح لأنهم يقتسمون الربح مع البنك أولاً فيحصلون على نصيبهم من ناتج العمليات بالنسبة المقررة في العقد، ثم يقسم ما بقي على حملة الأسهم العادية بعد أن يكون جرى تحميله بالاحتياطيات والنفقات المختلفة . وقد يحدث أحياناً أن يوزع البنك أرباحاً على أصحاب الحسابات الاستثمارية دون أن يوزع الأرباح على أصحاب الأسهم الاعتيادية .

5- ورب قائل ، ان أسهم الامتياز هي أوراق مالية قابلة للتداول وليس كذلك الحسابات  الجارية في البنوك الإسلامية . والجواب عن ذلك أنه قد وقعت الفتوى  بجواز أن تكون حصص أرباب الأموال في المضاربة على صفة صكوك قابلة للتداول بشروطه. فقد نص على ذلك قرار المجمع الفقهي في دورة مؤتمره الرابع المنعقد بجدة  من 18-23 جمادى الآخرة 1408هـ بشأن سندات المقارضة وسندات الاستثمار. وقد أورد القرار الصيغة  المقبولة شرعاً لصكوك المقارضة وعرفها قائلاً "سندات المقارضة هي   أداة استثمارية تقوم  على تجزئة رأس مال القراض (المضاربة) بإصدار صكوك برأس   مال المضاربة على  أساس وحدات متساوية القيمة ومسجلة بأسماء أصحابها باعتبارهم يملكون حصصاً  شائعة في رأس مال المضاربة وما يتحول إليه بنسبة ملكية كل منهم فيه . وأشارت في العنصر الثالث بأن صكوك المقارضة تكون قابلة للتداول بعد إنهاء   فترة الاكتتاب "لن ذلك مأذوناً فيه من المضارب عند نشؤ السندات" بشروطه . (قرارات   وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي ص 65-71) .

 

صفة أسهم الامتياز المقترحة :

    يمكن للشركة المساهمة أن تصدر أسهم امتياز بالصفة التالية ، تكون على أساس عقد المضاربة . المضارب في هذا العقد هو الشخصية الاعتبارية (وهي الشركة المساهمة التي تصدر هذه الأسهم) وأرباب المال هم حملة أسهم الامتياز هذه . وتقوم العلاقة بينهما كما يلي :

 1- ليس لحملة هذه السهام حق التصويت . وهذا مستمد من أحكام المضاربة ذلك أن رب المال ليس له أن يعمل في مال المضاربة . فالتصرف إنما يكون من المضارب ، وإذا اشترط رب المال أن يتصرف بطل الشرط لأن العمل من حق المضارب([14]) .

2- كما تلتزم الشركة برد القيمة الاسمية لأسهم الامتياز عند نهاية العقد وهذا موافق لأحكام المضاربة إذ يجوز أن يكون للمضاربة أجل فإذا حل الأجل ، وقع التنضيض والقسمة . فإذا سلم رأس المال إسترده رب المال وليس للمضارب إلا نصيبه من الربح . ولما كان المضارب في مسألتنا هو الشخصية الاعتبارية فليس للشركة إلا نصيبها من لربح. كما يمكن ان تكون هذه الأسهم مستمرة ليس لها مدة محددة. وهذا موافق أيضاً لأحكام المضاربة إذ يجوز ان يبقى المال بيد المضارب لغرض الاسترباح بلا أجل محدد. كما يمكن الجمع بين الأمرين، فلا يكون للمضاربة أجل إلا ان الشركة المصدرة لها تعمد إلى التنضيض الحكمي في فترات محددة مثل أن تفعل ذلك كل ثلاثة أشهر أوستة أو سنة، وتقوم بناء على ذلك بتوزيع الأرباح ثم إستئناف مضاربة جديدة وهذا ما قام عليه عمل البنوك الإسلامية . كما يجوز للشركة أن تشتري هذه الأسهم بسعر   تعلنه للجمهور وان تلتزم بذلك في فترات محددة وقد نص قرار المجمع الفقهي حول الصكوك المضاربة على مثل ذلك فقال "كما يجوز أن يتم التداول بقيام الجهة المصدر في فترات دورية معينة بإعلان أو ايجاب يوجه إلى الجمهور تلتزم بمقتضاه خلال مدة محددة بشراء هذه الصكوك من ربح مال المضاربة بسعر معين .." (ص 69) .

3- ولحملة أسهم التميز في نموذجنا المقترح الأولوية في حال تصفية الشركة ويسبقون حملة الأسهم العادية. ذلك ان الشركة عندما تعمد إلى تصفية نفسها يلزم عليها الوفاء أولاً بالتزاماتها تجاه الآخرين. وعقد المضاربة التي صدرت هذه الأسهم بناءً عليه هوإلتزام على الشركة فإذا سلم رأس مال المضاربة استحقه حملة الأسهم بصرف النظر عن  حال الشركة بالنسبة لحملة أسهمها العادية. وما بقي بعد وفاء الشركة بالتزاماتها(من ديون وغيرها) كان لحملة الأسهم العادية. ولذلك فإن شرط الأولوية لحملة أسهم الامتياز على حملة الأسهم العادية موافق للأحكام الشرعية. إذا قام اصدار تلك      الأسهم على أساس المضاربة .

4- أما توزيع الربح في هذا النوع من الأسهم فهو مستمد من أحكام المضاربة. ذلك أن  المضاربة شركة في الربح ويلزم لصحة العقد أن يتفق الطرفان على طريقة القسمة عند التعاقد كأن يقال نصف لي ونصف لك ...إلخ. ويعتبر الربح فيها زاد على رأس المال ولا تقع القسمة إلا بعد سلامةة رأس المال، وتعرف هذه السلامة إما بتصفية المضاربة حتى تتحول أصولها إلى نقود كما بدأت، أو بالتنضيض الحكمي وهو المعتمد على قواعد المحاسبة في التعرف على حصول الربح أو الخسارة فإذا ظهر الربح استحق كل من المضارب ورب المال نصيبه فيه واستئنفا مضاربة جديدة . والخسارة تكون على رب المال في جميع الأحوال إلا أن بالتعدي والتفريط من قبل المضارب أو مخالفته لشروط المضاربة التي اشترطها عليه رب المال .

    وتنص نشرة إصدار الأسهم المقترحة على أن الربح المتحقق عن إستثمار أموال أصحابها يكون للشركة (المضارب) نسبة معينة منه (مثلاً 30%) ولهم ما بقي (70%) . فلو كانت الأموال التي حصلت عليها الشركة من إصدار هذه الأسهم هي 100 مليون ، وكانت الأموال التي بيد الشركة عند بداية العام من مصادر مختلفة 200 مليون مثلاً ، فيكون مجموع الأموال المستثمرة هو 300 مليون ولنفترض أنها حققت ربحاً في نهاية العام مقداره 10% (أي 30 مليوناً) عندئذ يكون الربح على الأموال المضاربة (أموال حملة أسهم التميز) هو 10 ملايين يستحق منها حملة هذه الأسهم 7 ملايين . ويمكن أن يوزع الربح بطرق مختلفة ضمن ما تسمح به أحكام المضاربة . فمثلاً يمكن لهم أن يتفقوا على أن المئة الأولى من الربح لحملة أسهم التميز منها 70 وللشركة 30 أما المئة الثانية فتقسم 50 ، 50 والثالثة ...إلخ . كما يمكن لهم ان يقولوا القسمة في السنة الأولى هي 50، 50 وفي الثانية 60، 40 وفي الثالثة ...إلخ .

          وهل لهم أن يقولوا لحملة أسهم التميز 50% من القيمة الاسمية للأسهم ؟

    لا يجوز مثل هذا الشرط لأنه يؤدي إلى انقطاع الشركة إذ ربما لم تحقق المضاربة ما يكفي لدفع مثل هذا المبلغ .


المراجع :

1- Robert W. kolb

    Richardo J. Rodriguis

    Financial Management

    Lexington , Mass . D.C. Heath & Co. 1992

 

2- W. A. Sahlman

    Aspects of Financial Contracting In ventere Capital

    Journal of Applied Corporate Finance . Summer 1988, pp. 23-36

 

3- Peter G. Xuereb

   The Rights of Shareholders .

   Oxford , BSP Proffessional books . 1989.

 

4- Alan C. Shapiro

    Modern Corporate Finance

    New York , Macmillan , 1991 . 

الحواشي

1- مع أن الأسهم العادية هي أيضاً أنواع تسمى Class تختلف في الحقوق المقررة لها وبخاصة التصويت .

2- أنظر على سبيل المثال :

 Robert W. Kolb and Richardo J. Rodriguis : Financial Management Lexington , Mass , D.C. Heath & Co. 1992 P. 43

3- وقد تبنى المجمع الفقهي الإسلامي الدولي قراراً بشأن السندات في دورة مؤتمره السادسة بجدة في 17-23 شعبان 1410هـ ذكر فيه ".. إن السندات التي تمثل إلتزاماً بدفع مبلغها مع فائدة منسوبة إليه أو نفع مشروط محرمة شرعاً من حيث الاصدار أو الشراء أو التداول لأنها قروض ربوية سواء كانت الجهة المصدرة لها خاصة أو عامة .." أنظر قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي دمشق دار القلم 1418هـ ص 126 ، 127 .

4- سندات الدين ذات أنواع أقواها تلك الموثقة بأصول معينة من ممتلكات الشركة وتسمى Mortigige Bonds  وأضعفها ما لا يكون مضموناً إلا بالسمعة الحسنة للشركة وتسمى Debentures  .

5- والميزانين هو الدور المسروق في المباني والعمارات ، الذي يكون بين الدور الأرضي والدور الأول . وهذه استعارة يقصد بها أنواع التأمين التي ليست مضمونة كضمان السندات الموثقة برهون وليست ذات مخاطرة عالية كالأسهم الاعتيادية وتتضمن أسهم الامتياز والسندات من نوع Debentures .

6- (وقد يستثنى حالات ينص عليها في نظام        الشركة أو في نشرة الاصدار وهي الحالات التي تغرق فيها الشركة في المصاعب الإدارية مما   يستدعي تدخل حملة الأسهم الممتازة ) .

7- (Adjustable Rate Prefered)

8- (وفي بعض صيغ أسهم التميز التي يتحدد فيها الربح كنسبة ثابتة من القيمة الاسمية تتراكم هذه المبالغ حتى تحقق الشركة الربح فتدفع لهم جميع ما مضى ويسمى     ).

9- أنظر في ذلك History of Corp finance .

10- ويستثنى من ذلك : صالح بن زابن المرزوقي ، في رسالته : شركة المساهمة في النظام السعودي التي نشرتها كلية الاشريعة في جامعة أم القرى سنة 1406هـ وقد قال فيها بعدم جواز أسهم الامتياز بناءً على أنه "ليس لأصحاب الأسهم الممتازة مال أو عمل زائد" ، فلا يجوز أن يمتازوا بربح زائد أو يكون لهم الأولوية لأن هذا منافٍ لمعنى الشركة . (ص 360) .

11- قرارات مجمع الفقه الاسلامي ص136 .

12- إلا أن يثبت التقصير والتفريط من طرف البنك وهذه مسألة أخرى . 

13-  بل أن المعايير المحاسبية قد نصت على أن المضاربة المطلقة مضمونة من قبل البنك .  

14- أنظر : علي الخفيف ، الشركات في الفقه الإسلامي (ص 76) ، عبدالعزيز الخياط : الشركات في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي (ج2 ص63) ، بدائع الصنائع للكاساني (ج6 ص10) .

   Privacy Policy      Webmaster Elgarisite@hotmail.com        www.elgari.com 2002  جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد القري ©