|
|
||
|
|
سندات السلم (صيغة لتمويل الحكومة)
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه .. وبعد :
1- الغرض : تطوير بديل يمكٌن الحكومة من التمول بطرق مشروعة تغنيها عن سندات الدين الربوية .
2- الصيغة المقترحة : تطوير سندات معتمدة على صيغة عقد السلم.
3- وصف الصيغة : تصدر الحكومة ضمن هذه الصيغة سندات تمثل عقد سلم، تكون الحكومة فيها هي المسلم إليه (البائع)، وحامل السند هو المسلم (المشتري)، ومحل العقد هو سلعة تنتجها الحكومة أو تكون متوفرة في الأسواق عند الأجل. ولهذا السلم راس مال يدفع في مجلس العقد، وأجل محدد في نشرة الإصدار، وينتهي بان تقوم جهة مستقلة عن الحكومة بقبض بضاعة السلم بالوكالة عن حملة ا لسندات. ثم بيعها الى طرف ثالث. وهذه السندات قابلة للتداول في سوق منظم فيتحدد للسند سعر بصفة يومية. يمكن التداول حامل السند من بيعه قبل الأجل في ذلك السوق بمثل رأس مال السلم أو أقل من ذلك أو أكثر.
4- الاعتبارات الشرعية : تقوم الصيغة المذكورة على أحكام السلم المتفق عليها عند جمهور الفقهاء (عدا مسألة التداول). اعتمدت صيغة تداول السندات على رأي المالكية الذي يجيز بيع بضاعة السلم قبل القبض اذا لم تكن طعاماً، وجواز بيع الدين بغير جنسه بشروطه، وهي جميعاً موجودة في الصيغة المقترحة.
5- مشروعية سندات السلم : أ- قاعدة الربا : لا تدخل هذه الصيغة في تعريف الربا الا اذا بيع المسلم فيه بجنسه. وتباع بضاعة السلم في الصيغة المقترحة بغير جنسها. ب- قاعدة الخراج بالضمان : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربح مالم يضمن، وفي هذه الصيغة احتمال الخراج بغير ضمان ويقع ذلك عندما يبيع حامل السند سنده بربح قبل أجل السلم فيربح والضمان باقٍ على المسلم إليه. ويرد على ذلك ان منع ربح مالم يضمن ليس عليها إجماع الفقهاء : في سند الحديث مقال . ورد في السنة ما يخالف هذه القاعدة كحديث المصراة وحديث وضع الجوائح. ج- قاعدة الغرر : يرى بعض الفقهاء ان السلم أبيح للحاجة وانه على خلاف القياس لان الأصل منع بيع المعدوم، وقد رد ابن تيميه وتلميذه ابن القيم على ذلك بالقول ان الممنوع هو بيع مالا يقدر على تسليمه معدوماً او موجوداً ولذلك منع بيع البعير الشاردة مع انها غير معدومة لما كان غير مقدور على تسليمها. اذا تقرر ذلك، فالقدرة على التسليم في السلم معتمدة على شروطه، فاذا أسلم في فاكهة الصيف تسلم له في الشتاء فان هذا غرر مفسد للعقد بسبب هذا الشرط الزائد. ولذلك فان الغرر في السلم من حيث الأصل مغتفر، ولكن عقد السلم كسائر عقود المعاوضات معتمد على شروطه التي قد تؤدي الى الغرر الكثير المفسد فلا يحكم عليه بذلك ابتداءً، ويمكن تفادي الغرر الكثير بصياغة العقد واختيار السلع المناسبة.
هل الصيغة المقترحة قابلة للتطبيق من الناحية العملية ؟ الذي يظهر ان هذه الصيغة المقترحة حتى لو لقيت القبول الشرعي فانها لا تصلح من الناحية التطبيقية بحالتها الحاضرة لأنها تتضمن مشكلات عملية. وهي لا تكون مقبولة للمستثمرين وللحكومة إلا بإجراءات إضافية. بدون هذه الإجراءات، يظهر لي أنها لن تجتذب الأموال الكافية من ناحية، وسوف تلقى التردد من الحكومة في تبنيها من الناحية الأخرى. من هذه المشكلات :
المخاطرة المالية : فان سندات السلم تتضمن مقارنة بصيغ الاستثمار الأخرى المتاحة، مخاطرة عالية نسبياً بسبب عدم استقرار أسعار السلع التي يمكن ان تكون محلاً للسلم. إن عدم استقرار الأسعار هو من سمات العصر الحديث ولم يكن ذلك معهوداً في القديم. فلم تظهر المشكلة في عقود السلم قديماً كما هو الحال اليوم. هذا لا يعني ان الأسعار كانت ثابتة لا تتغير عندئذٍ، ولكن تغيرها كان يحدث ببطء يقلل من أثاره السلبية. واذا قارنا سندات السلم مع سندات الدين الحكومية وجدنا البون شاسعاً من ناحية المخاطرة. ولذلك، حتى تكون هذه السندات قابلة للتطبيق لابد ان تكون بضاعة السلم ذات سعر مستقر. مثل ان يكون المسلم فيه سلعة تسعرها الحكومة كالمنتجات البترولية النهائية ومن ثم يعلم المستثمر ان احتمال الخسارة بسبب تقلب الأسعار هو قليل نسبياً. ومن ناحية أخرى تعلم الحكومة في مثل هذه المنتجات انها لا تواجه مخاطر عالية بسبب ارتفاع الأسعار. بينما لو ان المسلم فيه كان النحاس، وكان سعر الطن عند انعقاد السلم هو 100 دولار، وانعقد السلم على راس مال هو 75 دولاراً لطن يسلم بعد ستة أشهر. لو ان السعر ارتفع من 100 الى 150 دولار، فان الحكومة سوف تتحمل تكاليف باهضة لانها ستشتري هذه البضاعة من السوق بـ 150 دولاراً لكي تسلمها لمشترٍ سيحصل على ربع مقداره 100%. (ولا يغٌير من الأمر شيئاً انها تنتج النحاس بنفسها). ولو ان السعر في وقت التسلم صار 70دولاراً فان المستثمر سوف يخسر 5 دولارات (إضافة الى الوقت الضائع الذي يعد أيضا خسارة مالية). من أين نجد سلعاً تصلح للسلم وتكون أسعارها مستقرة؟
ب- عظم تأثير الحكومة على الأسواق : ان حجم ديون الحكومة في اكثر البلدان عظيم، يصل في بعض الأحيان الى ان يساوي الناتج المحلي برمته (أسعار جميع السلع والخدمات في الاقتصاد خلال سنة). فلو تحول هذا الدين أو جزء منه الى سندات السلم، يعني ان أسواق السلع التي تكون محلاً للسلم سوف يزيد فيها الطلب أضعافا مضاعفة في كل مرة يعلم ان الحكومة اشترت سلماً. ويترتب على ذلك ارتفاع الأسعار بصفة فجائية. ومعلوم ما لهذا من آثار سلبية على الاقتصاد، مما لا تقبله الحكومات في الوقت الحاضر.
زيادة التكاليف : نحن نحمل القوم على خير الضنين، وان استخدام الحكومة سندات السلم ينطلق من حرصها على ان تكون معاملاتها ضمن نطاق المباح. ومع ذلك فلا نستبعد ان التكاليف سيكون لها تأثير على قبول الصيغة. وعقد السلم يترتب عليه خطوات وإجراءات اكثر من صيغة الاقتراض من الجمهور وكل خطوة او إجراء تعني مزيداً من التكاليف وبخاصة اذا تعلق الأمر بسلع حقيقية ومخاطر متعلقة بذلك. فلزم تصميم الإجراءات واختصارها الى الحد الأدنى المقبول شرعياً.
7- الإجراءات والشروط المقترحة في صيغة السندات لعلاج ما ذكر : الاقاله : جاء في الحديث "من أقال نادما بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة" فاذا ندم أحد العاقدين وطلب الإقالة من صاحبه فليس الآخر ملزماً بالإقالة ولكن ذلك مندوب اليه. وفي السلم يترتب على الإقالة رد رأس المال الى المسلم بلا زيادة ولا نقصان، والإقالة جائزة في السلم إجماعاً، والاقتراح هنا ان تلتزم الحكومة بالإقالة في أي وقت قبل حلول الأجل. سيؤدي هذا الى تقليل معدل المخاطرة لإمكانية استرداد مبلغ الاستثمار في حال توقع انخفاض قيمة السلعة واحتمال الخسارة في حق المستثمر.
شراء مؤسسات حكومية سندات السلم : سندات السلم تتداول في الأسواق بعد انعقاد السلم وقبل حلول الأجل، والناس يبيعونها ويشترونها، ولكن عدد السندات في السوق لا ينقص، أي ان الحكومة ملزمة عند حلول الأجل بتسليم الكمية الكلية التي تمثل بضاعة السلم لجميع السندات. هل يمكن لجهة حكومية ان تدخل في السوق المالية مشترياً لسندات السلم فتشتري السندات في فترة التداول حتى اذا حل الأجل لم يكن عليها إلا تسليم كمية قليلة من بضاعة السلم وهي المقابل لسندات أولئك الذين احتفظوا بسنداتهم ولم يدخلوها في التداول في السوق المالية. تكييف هذا الإجراء هو بيع دين السلم على المدين (المسلم اليه). وبيع بضاعة السلم قبل القبض على المسلم اليه تدخل ضمن ما أجازه المالكية من التصرف في المسلم فيه قبل قبضه. |
|
|
Privacy Policy Webmaster Elgarisite@hotmail.com www.elgari.com 2002 جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد القري © |
||