|
|
||
|
|
تحول الشركات للتعامل المشروع ، الآليات والأحكام ومعالجة آثار المعاملات المحرمة السابقة
بحث مقدم للندوة السادسة عشر لدلة البركة 24 صفر 1420هـ، بيروت
مقدمة إن موضوع هذه الندوة هو موضوع عظيم الأهمية ، بالغ الصعوبة ، أما منبع الأهمية فيه فهو ما نلمسه بحمد الله من إتجاه متزايد لدى المسلمين وبخاصة أرباب الشركات من ملاك ومديرين في السعي الحثيث نحو تنقية نشاطاتهم التجارية والاستثمارية من المحرمات ، والمحاولة الدؤب إلى تطوير صيغ جديدة يمكن بها أن تستغني الشركة بالحلال عن الحرام دون أن يؤدي ذلك إلى تدهور قوتها الاقتصادية أو إنحطاط قيمتها المالية وأرباحها . أما انه بالغ الصعوبة ، فلأنه موضوع جديد لم يكتب فيه من قبل ، وهو من جوانب البحث التي إنفرد بها المسلمون دون سواهم فليس للموضوع أدبيات أجنبية يمكن الرجوع إليها فيه أو الاستفادة مما فيها من العلم والحكمة . ولذلك فإن هذه الورقة هي محاولة لشق الطريق وليس بالضرورة للوصول إلى الإجابات النهائية .
1- أهمية الشركات المساهمة في الاقتصادات المعاصرة : للشركات المساهمة في عالم اليوم أهمية بالغة ، وذلك لقدرتها العظيمة على جمع الأموال من آلاف المدخرين ثم توجيهها نحو المشاريع الكبرى في الصناعة والزراعة والخدمات والانشآت العمرانية والتجارة بأنواعها . وللشركات المساهمة دور مهم في النمو الاقتصادي الذي يعيشه العالم اليوم . ولا ريب ان اختراع هذه الصيغة قد أثر تأثيراً عظيماً على مسار النمو الاقتصادي في الدول الغربية منذ انتشر العمل بها في أواخر القرن التاسع عشر . وتنفرد صيغة الشركة المساهمة بهذه الأهمية البالغة دون صيغ الشركة الأخرى . فالقوانين المنظمة لعمل الشركات تنص على شركات أخرى كالشركة التضامنية ، وشركة المحاصة وغيرها . لكن هذه جميعاً صيغ لم يعد لها اثر يذكر في مجريات الحياة الاقتصادية ولذلك فإن اهتمامنا سينحصر في الشركة المساهمة ذات المسئولية المحدودة دون غيرها من صيغ الشركة .
2- صيغة الشركة المساهمة ملائمة ، في الجملة ، لمقاصد الإسلام في المال : لا ريب أن صيغة الشركة المساهمة صيغة لا غبار عليها من ناحية المآل إذا خلت من المحرمات . فهي طريقة نافعة لجمع الأموال من صغار المدخرين وتوجيهها إلى ما ينفع الناس. وهي كذلك للاعتبارات التالية : أ- لأن غرض الشركات المساهمة هو في الجملة إنتاج السلع والخدمات النافعة وإقامة المشاريع العمرانية والصناعية وكل ذلك من إعمار الأرض الذي هو أحد مقاصد الإسلام في المال . ب- ومن نتائج قيام مثل هذه الشركات ، وهي تعتمد صيغة المساهمة التي يقسم فيها رأس المال إلى وحدات صغيرة قابلة للتداول ، من نتائج ذلك تحقيق فرص التثمير والاسترباح لأصحاب الأموال فلا تبقى الأموال معطلة أو مكتنزة بل تتجه إلى تمويل المشاريع مع تمتع أصحابها بالسيولة النقدية لما تتصف به الأسهم من خاصية التداول ، ولا يقتصر ذلك على الأثرياء وأصحاب الرساميل العظيمة بل إن خاصية المسئولية المحدودة التي تبعث على إطمئنان المستثمر ان الخسارة التي تلحق بالشركة لن تمتد إلى أمواله الخاصة ، تشجع حتى صغار المدخرين على الاستثمار بشراء أسهم الشركات . وكل ذلك يؤدي في المآل إلى إمتناع الناس عن إكتناز النقود أو أقدامهم على سحبها من مجال التداول وتجميدها ، وهو أمر مطلوب لما ورد من الوعيد على الذين يكنزون الذهب والفضة. ج- ومنها توليد فرص العمل لأفراد المجتمع لما تنضوي عليه الشركات المساهمة من رساميل ضخمة قادرة على تطوير الصناعات العظيمة التي تحتاج للوظائف الكثيرة . ولا يخفى ان البطالة التي تعاني منها المجتمعات النامية اليوم خطر عظيم يهدد البنية الأساسية والنسيج الاجتماعي لما تفرزه من آثار أخلاقية واقتصادية وإنسانية ضارة . د- ومنها صفة التداول التي هي مقصد شرعي في المال كما قال تعالى {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} . ان صيغة الشركة المساهمة تعطي فرصاً لمتوسطي الحال وغير ذوي الثراء ممن يمتلك المدخرات القليلة من الاشتراك في النشاطات المولدة للأرباح فلا يكون المال عندئذٍ دولة بين أغنياء المجتمع فقط . وتدل الدراسات الميدانية ان ظهور الشركات المساهمة والأسواق المنظمة لتداول الأسهم كان له أثر في البلاد الغربية في تحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع الثروة في المجتمع . ولذلك يمكن القول ان الشركة المساهمة صيغة جيدة ونافعة إذا خلت من المحرمات .
3- واقع الشركات المساهمة الحديثة والحاجة إلى التغيير : قامت صيغة الشركة المساهمة على مبادئ وقواعد كان لها بالغ الأثر في طبيعة عملها ونشاطها وبخاصة إنتشارها الواسع . من أهم تلك المبادئ : فصل الإدارة عن الملكية . ذلك ان الشركة يديرها ويتخذ القرارات فيها ويتابع أعمالها اليومية ثلة من الإداريين الذين يعملون كأجراء للشركة ، بينما يملك الشركة حملة الأسهم الذين يعدون بالمئات وبالآلاف وأحياناً بمئات الآلاف من المساهمين . وهم لا يباشرون الإدارة ولا يتمكنون من التدخل المباشر في أعمالها . ويعمل الإداريون فيها على تحقيق هدف عام مشترك بين جميع حملة الأسهم على إختلاف مشاربهم ورغباتهم وأوضاعهم وهو تعظيم أرباح الشركة . وهذه الأرباح مستمدة من مصدرين : الأول : هو ما توزعه الشركة من ريع في نهاية كل سنة مالية إذا تحقق لها شئ من ذلك . والثاني : الزيادة الرأسمالية الناتجة عن تحسن قيمة السهم في الأسواق والذي يرتبط بقوة الشركة وحسن إدارتها وأرباحها المتوقعة في المستقبل . وقد ترتب على ذلك نتيجتان تمثلان أهم عناصر واقع الشركات المساهمة اليوم . الأولى : ان تعظيم الأرباح يتحقق بصفة أسرع وأكبر إذا اعتمدت الشركة عند حاجتها للمال على الديون وليس على إصدار أسهم جديدة. ومن هنا كانت جميع الشركات المساهمة مدينة ديوناً تقل أو تكثر حتى لا تكاد تخلو شركة من ذلك . والثانية : ان الإدارة الحصيفة للأموال بتوجيهها نحو تعظيم الأرباح تعني ان الشركة لا تحتفظ بالسيولة عاطلة عن الشغل وتوليد العائد . فاتجهت الشركات إلى الاحتفاظ بمعدل ضئيل من السيولة وحتى عندئذٍ إيداعها لدى البنوك بالفائدة واستخدام ما يسمى الحساب الجاري المدين لتمويل عملياتها اليومية الذي تترتب عليه الفوائد ، وعلى صيغ التمويل قصيرة الأجل من البنوك والسوق المالية . هذا واقع لا تخلو منه شركة مساهمة سواء في البلدان الأجنبية أو في بلاد المسلمين . ثم ان قدرة الشركات المساهمة على النمو ليس لها نظير فيما عرفه الإنسان قديماً . حتى وجدنا بعض الشركات تفوق في حجم أموالها وقوتها الاقتصادية بعض الدول بل ربما تفوقت شركة واحدة على مجموعة من الدول الصغيرة . لقد ترتب على هذا ان صارت بعض الشركات المساهمة ذات تشعب عظيم في نشاطاتها الإنتاجية وتنوعت مصادر الإيرادات لبعضها فشملت قطاعات اقتصادية متنوعة في مناطق جغرافية متباعدة في داخل الدولة أو على مستوى العالم كله . ولأن الشركة المساهمة شخصية اعتبارية يضفي عليها القانون الأهلية للتعاقد ، صارت الشركات تمتلك بعضها بعضاً لكن لأغراض متعددة تئول في جملتها إلى ما ذكرناه من تعظيم الأرباح . لكن ذلك كله أخرج إلينا ظاهرة جديدة وهي الشركة التي يكون نشاطها في أصله نافع مفيد وضمن دائرة المباح ، ولكنها تمتلك فرعاً صغيراً لا يتصف بهذه الصفة . ولكن ما سبق ذكره من وصف لواقع الشركات المساهمة الحديثة ليس من لوازم الشركة ، و لا يمكن القول ان عمل الشركة المساهمة لا يقوم إلا بهذه المخالفات الشرعية . هو واقع فرضته الظروف التي صاحبت نشوء الشركات المساهمة في بلاد المسلمين ، وقد حان الوقت لكي تنضبط بضوابط الشريعة وتتلاءم مع متطلبات نظام الإسلام . ولذلك فإن ما عليه الشركات المساهمة اليوم هو وضع يحتاج إلى تغيير وهو موضوع هذه الورقة .
4- منهج التغيير المناسب : لا ريب ان الفائدة المصرفية من الربا المحرم وان التعامل بها أخذاً أو اعطأ غير جائز والواجب على المسلم الإقلاع عن مثل هذا الذنب فوراً ودون تأخير. فالأصل ان على الشركة التي تكون قد وقعت بمثل هذه المحرمات ان تقلع عنها على الفورية وبدون تأجيل أو تأخير . مثل هذا المنهج يؤدي إلى الغرض ويصل إلى النتيجة بأقصر الطرق وأسرعها . لكنه منهج غير موافق لواقع الحياة المعاصرة ولطبيعة الناس وطاقتهم على إحداث التغير . والأمر كما قال عمر بن عبد العزيز رحمة الله "إنا إذا حملنا الناس على الحق جملة واحدة تركوه جملة واحدة" . ولذلك فإن المنهج المناسب في التغيير ، الملائم لواقع حال الناس اليوم هو ذلك الذي يتبنى التدرج وسيلة إلى الوصول إلى الغرض ، ولا يستعجل النتائج ما دام التغير يسير في الاتجاه الصحيح ويسير نحو المقصد المطلوب بخطوات واضحة وان كانت بطيئة أو متباعدة بشرط أن يكون الهدف النهائي والمقصد المطلوب واضح لا لبس فيه وهو الإقلاع عن كل مخالفة شرعية واستبدال كل مباح جائز بكل حرام . ومنهج التدرج منهج موافق لأحكام الشريعة والأدلة على صحته كثيرة متعددة منها التدرج في التشريع ، كما كان من أمر تحريم الخمر فقد بدأ بالتقبيح وانتهى بالتحريم ليواكب طاقة الناس(1) . وقد اتفق الفقهاء على أن المفسدة الكبيرة تدفع بالمفسدة الأصغر منها ولم يقل أحد ان المفسدة لا تدفع إلا بالمصلحة الواضحة . وعلى ذلك فان التغير المتدرج هو باب من دفع المفاسد كبرى بمفاسد أصغر منها والتدرج في ذلك حتى يقع التخلص الكامل من مفسدة الربا . وقد جاء في الحديث الصحيح "من رأى منكم منكراً فليغيره ...إلخ الحديث" ولم يقل صلى الله عليه وسلم "يزله" ، والتغيير يعنى بطبيعته التدرج والانتقال من مرحلة إلى أخرى بينما الإزالة هي التي تكون على الفور وتحدث دفعة واحدة . فهذا المنكر الذي وقعت فيه الشركات المساهمة . يحتاج إلى تغيير، لكن من متطلبات هذا التغير ان نسلك يه الأسلوب الذي هو أحرى بالنجاح وأرجح في إحتمال الوصول إلى الهدف وأن لا يؤدي دفع المفسدة إلى مفسدة أعظم منها .
5- تعيين مواطن الحرام في عمل الشركات المساهمة الحديثة : يمكن تقسيم الشركات المساهمة الحديثة إلى قسمين : الأول ما كان أصل نشاطه محرماً كشركات بيع الخمور وإنتاجها ، والشركات المؤسسة للقمار والبنوك الربوية ...ونحو ذلك ، فكل ذلك حرام لا تجوز المساهمة فيه ولا إدارته ولا سبيل لإصلاحه إلا بالإلغاء التام له، فلا شأن لنا بهذا القسم من الشركات . أما القسم الثاني فهو ما كان أصل نشاطه مباحاً مثل أن تكون شركة تنتج السلع النافعة أو الخدمات المفيدة ، ولكنها واقعة في مخالفات شرعية تحتاج إلى علاج وتصحيح . وتقع مثل هذه الشركات في نوعين من المحرمات : الأول : الشركة يكون لها فرع صغير يبيع الخمور أو كانت تمتلك نسبة من أسهم شركة أصل نشاطها في مجال الممنوعات والمحرمات . ولا بد للشركة التي تكون قائمة على مثل هذه المخالفات الإقلاع عن ذلك وتغيير ما هي عليه إلى ما يرضى الله سبحانه وتعالى بدون تسويف ولا تأجيل . إذ لا عذر لها في القيام على مثل ذلك ولا نرى ان للتدرج في مثل هذا مكان بل يلزم المبادرة إلى التخلص من الحرام . والثاني : تلك الشركات التي يكون أصل نشاطها مباحاً ولكنها تقع في مخالفات مالية مثل التعامل بالفائدة . وهذا ما يحتاج إلى خطة تحول . إن منهج النظر لا بد أن يأخذ بالاعتبار الاختلاف بين هذين النوعين من المخالفات . ذلك أن مسألة الفوائد المصرفية له خصوصية تجعله مختلفاً عن سائر المخالفات الأخرى من نواح هي : أولاً : مسألة عموم البلوى بالفوائد المصرفية في يوم الناس هذا . لقد عمت البلوى بالفوائد المصرفية حتى صار الخلوص من المعاملات فيها أمراً عسيراً على أكثر الشركات فاحتاج إلى خطة لهذا الغرض وهو موضوع هذه الورقة . ومبعث ذلك هو أن التورط في هذه المعاملات لا يكاد تسلم منه شركة مساهمة في عالم اليوم سواء كانت في البلاد الأجنبية أم في بلاد المسلمين . وان البواعث على المعاملات الربوية في عمل الشركات المساهمة قد تمكنت من هذا النوع من الشركات حتى صار لا يتصور وجود شركة مساهمة لا تقع فيه . ثم في المقابل ان البدائل التي يمكن ان تستغني به الشركة عن المعاملات الربوية لم تتطور بالقدر الكافي وبالحجم الذي يمكن ان ينهض بحاجات الشركات الكبيرة إلى التمويل . والأمر اليوم كما قال عليه الصلاة والسلام "يأتي على الناس زمان من لم يأكل الربا ناله بخاره" وفي لفظ "غباره" وقد قرر الفقهاء أحكاماً إستثنائية في حالات عموم البلوى . تأخذ في اعتبارها أحوال الناس وهي ما نحن فيه من أمر المعاملات الربوية وبخاصة في عمل الشركات المساهمة . ثانياً : ان الخمر والقمار محرم لذاته فلا يجوز لإنسان يؤمن بالله واليوم الآخر ان يعمل في صناعته أو بيعه أو نقله ...إلخ . ولا مبرر لمثل ذلك . أما الفوائد المصرفية فإن أمرها مختلف ذلك ان القرض في أصله جائز والمال فيه طيب حلال، وإنما دخله الفساد من شرط الزيادة التي هي من الربا . ولذلك فالحرام ليس في أصل المال أو في صفة القرض ولكنها في الربا المصاحب له . وثالثاً : ان الشركة إذا كان أصل نشاطها مباحاً وإنما هي تمتلك بعض الفروع التي تبيع الخمر أو ما شابه ذلك ، فإن إلغاء هذه الفروع أو إغلاقها أو بيعها أمر ممكن قابل للتطبيق ولا حاجة للتدرج في ذلك إذ ان مثل هذا القرار لا يهدد وجود الشركة . إذ يمكن إستئصالها بينما تبقى الشركة على أصل نشاطها بل يمكن لها أن تنمو وتتوسع في نشاطها المباح ولذلك لا تعذر إدارة الشركة في الإبقاء على هذه الفروع ولا وجه للقول بالتدرج في تحويلها والتخلص منها . أما التعامل بالفوائد في واقع الشركات المعاصرة فإنه يجري منها مجري الدم في الجسد ، ولذلك فإن إقتلاع جذوره بصورة فجائية يمكن أن يودي بهذه الشركة ويهدد وجودها فيحتاج إلى التدرج في ذلك حتى يقع التحول بطريقة تبقى على جوانب الخير في هذه الشركة ويلغى منها ما كان غير مباح .
5- أ- مظان الربا في عمل الشركات المساهمة : يظهر الربا في عمل الشركات المساهمة في جانبين : الأول : ما عليها من ديون للآخرين . والثاني : ما لها عليهم من ديون وإلتزامات مالية أخرى . أما الجانب الأول فيتمثل فيما يلي : 1- ما تقترضه الشركة من البنوك ، في قروض طويلة الأجل أو متوسطة أو قصيرة الأجل ، وفي ما تحصل عليه من تسهيلات على صفة الحساب الجاري المدين (Regular overdraft) . 2- ما تقترضه الشركة من الجمهور على صفة إصدار سندات الدين ذات الآجال المختلفة . أما الجانب الثاني فيتمثل فيما يلي : 1- ديون الشركة على الآخرين من أفراد وشركات ومؤسسات حكومية والناتجة عن توفيرها التسهيلات لهم لشراء سلعها وخدماتها(2) . 2- الفائدة المتولدة من إيداع الشركة أموالها الفائضة عن حاجتها الآنية لدى البنوك ، أو شرائها لسندات الدين الربوية ، أو استثماراتها في المجالات الأخرى المولدة لعائد أصله من الربا (كشرائها لأسهم البنوك الربوية) .
الصيغ التي يمكن أن تعتمد عليها الشركة بديلاً عن التعامل الربوي : في الجانب الأول : تحتاج الشركة إلى الأموال لأغراض متعددة وتختار الصيغة التي تحصل بها على هذه الأموال لبواعث مختلفة . فهي تحتاج الأموال لشراء المواد الخام والسلع والأصول والأثاث ، وكذلك للحصول على الخدمات المختلفة ، ولسد حاجة طارئة إلى السيولة ، ولتحقيق المواءمة بين إيراداتها ومصروفاتها اليومية . ومن جهة أخرى فإن الشركة في حصولها على الأموال تسعى أولاً لتقليل تكاليف الاقتراض قدر الإمكان ، ويترتب على ذلك أنها قد تختار الاقتراض من البنوك أحياناً أو من الجمهور بإصدار السندات أحياناً أخرى تبعاً لمقدار التكلفة لهذا الاقتراض . ويدخل في اعتبار التكلفة المقارنة بين الفائدة التي تدفعها الشركة على القروض بأنواعها والربح الذي توزعه على الملاك (أي حملة أسهمها) . ولذلك فإنها قد لا تقدم عند الحاجة إلى التمويل على إصدار أسهم جديدة لأن ذلك يترتب عليه صرف ريع سنوي لحملتها وهو في الغالب أعلى من معدل الفائدة على السندات التي تصدرها الشركة . فيظن ان الثاني أقل تكلفة من الأول(3) . ولذلك فإن البدائل التي يمكن اقتراضها في هذا المجال يجب ان تستبطن هذه الاعتبارات حتى تكون بدائل كفيه
ومن هذه البدائل : أ- توسيط البنوك في شراء ما تحتاج إليه من سلع وأصول ومواد خام : وقد تطورت صيغ البيع بالمرابحة حتى صارت بديلاً ذا كفاءة عالية ، ينهض بحاجات الناس إلى التمويل دون الوقوع في الربا المحرم . ولذلك فإن الشركة بإمكانها سد جزء من حاجتها إلى الاستدانة ، بإستخدام بيوع الأجل كالمرابحة والاستصناع . وهي صيغ مشهورة لا حاجة لتفصيلها هنا . وتولد صيغ التمويل الإسلامية المعتمدة على الدين آثاراً على الشركة لا تختلف عن القروض ولكنها قد تمتاز عليها بأن الزيادة فيها ثابتة لا تتغير . ب- أما التمويل عن طريق تسهيلات الحساب الجاري المدين ، فإنه نوع من الاقتراض الذي لا تكاد تستغني عنه شركة . وقد دلت دراسات على أن أغلب قروض البنوك للشركات المساهمة هو على صفة الحساب الجاري المدين . ومن خلال هذا النوع من الحسابات تتمكن الشركة من مواءمة إيراداتها المالية اليومية مع مصروفاتها اليومية . فكل أيراد تحصل عليه يصب في هذا الحساب، وكلما احتاجت إلى صرف النقود أحالت (بكتابة الشيكات) على هذا الحساب وقد إلتزم البنك تجاهها ضمن هذا الترتيب أم لا يرد لها شيكاً فإذا سحبت من الحساب فوق ما أودع فيه ، سجلت عليها الفوائد المصرفية اليومية حتى تغذي هذا الحساب بما يكفي لسدادها . وقد نجحت بعض الشركات مع بعض البنوك الإسلامية في تطوير صيغة بديلة للحساب الجاري المدين معتمدة على المشاركة وذلك بفتح حساب مشترك بين البنك والشركة ، وكلما سحبت منه الشركة عد ذلك مشاركة للبنك في أعمالها بمقدار ما يمثل هذا السحب من رأسمال الشركة ، وكلما أودعت فيه عد ذلك تنضيضاً يسترد فيه البنك حصته من الشركة . ثم في آخر العام المالي إذا أصدرت الشركة نتائجها المالية ، اقتسمت مع البنك الربح بمقدار حصته من رأس المال (أو بما اتفق عليه) محسوباً على أساس يومي ، وإذا وقعت الخسارة تحمل البنك هذه الخسارة بمقدار حصته من رأس المال على أساس يومي . وتحتاج مثل هذه العملية إلى ترتيبات دقيقة واتفاقيات مفصلة ولا سيما من ناحية تحديد نسبة مساهمة البنك وما تمثله من رأسمال الشركة . وقد وقع تطبيق هذه الصيغة في بعض البنوك الإسلامية ولاقت نجاحاً جيداً استفادت منه الشركات وحصل البنك على عائد يزيد عن مقدار الفوائد الربوية على مثل هذا النوع من الحسابات . ج- أما الاستدانة عن طريق إصدار سندات الدين وبخاصة في الحالات التي ترغب الشركة في الحصول على قروض طويلة الأجل للتوسع الرأسمالي للشركة فلا يمكن القول أن صيغ التمويل المصرفية الشرعية هي بديل عن ذلك لأن البنوك ربما لا تقدم على مثل هذا لانصراف رغبتها عن التمويل طويل الأجل من جهة ومن جهة أخرى لأن الشركة في مثل هذه الحالات تحتاج إلى المال وليس بالضرورة إلى شراء سلع أو أصول أو مواد خام تكون محلاً للمرابحة أو الاستصناع . ورب قائل لما لا تصدر الشركة أسهماً جديدة لهذا الغرض ؟ لا ريب ان هذا هو الخيار الأفضل ، لكن أكثر الشركات لا تتمكن من مثل ذلك لأسباب منها، أنها ربما لا تجد الإقبال المناسب من المستثمرين على شراء أسهمها ، والثاني ، رغبة ملاكها القدامى في المحافظة على سيطرتهم على الشركة وعدم رغبتهم في إدخال شركاء جدد ، والأهم من ذلك ان قوانين الضرائب في كثير من البلدان تعامل الفائدة بصورة مختلفة عن الربح فتجعلها ضمن بند التكاليف ومن ثم يقلل الاقتراض بالفائدة من وعاء الضريبة بينما تفرض الضرائب على الأرباح . أضف إلى ذلك ان الفائدة في أكثر الأحوال تكون أدنى من معدل الربح مما يعني ان إدارة الشركة التي لا تأخذ باعتبارها إلا الجوانب المالية فحسب ستفضل ان تدفع فائدة على الديون عن دفع ريع على أسهم جديدة . وللاقتراض بإصدار سندات الدين الربوية بدائل مقبولة من الناحية الشرعية قابلة للتطبيق . فقد طورت بعض الشركات مثل ذلك . منها : - الأسهم المؤقتة - سندات المقارضة . - عقد السلم .
1- الأسهم المؤقتة : تقوم الشركات التقليدية بإصدار أنواع من الأوراق المالية ، منها ما يسمى باسهم التميز (أو الأسهم الممتازة) وتعد الأسهم الممتازة صيغة تمويل للشركة تستخدمها عند حاجتها إلى التمويل وعدم قدرتها (أو رغبة إدارتها) في الاقتراض أو إصدار سندات الدين . والأسهم الممتازة شبيهة بالسندات من حيث كونها تستحق عائداً سنوياً مرتبطاً بالقيمة الاسمية للسهم ومن حيث ان حملتها لهم التميز على حملة الأسهم الاعتيادية عند تصفية الشركة ، كما ان لهم الحق في إسترداد القيمة الاسمية لأسهم في وقت تحدده نشرة الإصدار(4) . وقد حدد قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورة مؤتمره السابع (ذي القعدة 1412هـ) والذي نص على أنه "لا يجوز إصدار أسهم ممتازة لها خصائص مالية تؤدي إلى ضمان رأس المال أو ضمان قدر من الربح أو تقديمها عند التصفية أو عند توزيع الأرباح" . وقد قامت بعض الشركات التي تحرص على اجتناب المحرمات بتطوير صيغة الأسهم المؤقتة التي تنهض بالحاجة إلى التمويل في الظروف التي لا يتوافر على الشركة صيغ أخرى للحصول على المال ولا ترغب (أو لا تستطيع) إصدار أسهم عادية جديدة .
وتعتمد هذه الصيغة على إصدار أسهم مؤقتة لا تختلف عن الأسهم الاعتيادية إلا فيما يلي : أولاً : ان حملتها لا يتدخلون في إدارة الشركة ومن ثم فليس لهم التصويت في الجمعية العمومية . ثانياً : ان توزيع الأرباح يتم بطريقة تعطي حملة هذه الأسهم تفضيلاً على الأسهم الاعتيادية فيحصلون على نسبة من الربح تزيد على أمثالهم من حملة الأسهم الاعتيادية . ثالثاً : وفي حالة وقوع الخسارة فإن توزيعها يقع على جميع حملة الأسهم (المؤقتة والاعتيادية) بنسبة واحدة . رابعاً : تلتزم الشركة بإعادة شراء هذه الأسهم في تاريخ محدد بالقيمة السوقية لها عندئذٍ . ولعل من أهم نقاط التجديد والابتكار في هذه الصيغة إقدام الشركة على إشراك حملة الأسهم المؤقتة في الاحتياطيات المتراكمة لديها في السنوات الماضية وذلك بتنازل حملة الأسهم الاعتيادية في اجتماع جمعيتهم العمومية عن جزء من هذه الاحتياطيات لهم . وإلتزام الشركة بأنها ستستمر في توزيع الأرباح ما دام ان هذه الاحتياطيات موجودة . أي أنها مستودع الربح الذي تحقق في ذلك العام لجميع المساهمين وليس حملة الأسهم المؤقتة فحسب . ويؤدي ذلك إلى تشجيع الناس لشراء هذه الأسهم ز ولقد لقيت الصيغة عند التطبيق نجاحاً جيداً ولا زالت في طور التجربة .
2- سندات المقارضة : وهي صيغة معتمدة على عقد المضاربة طورت في الأصل لتمويل إعمار ممتلكات الأوقاف ، وقد صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورة مؤتمره الرابع في (جمادي الآخرة 1408هـ) الذي تضمن الصيغة المقبولة شرعاً لصكوك المقارضة(5) . وسندات المقارضة هي أداة إستثمارية تقوم على تجزئة رأس مال المضاربة بإصدار صكوك متساوية القيمة تمثل ملكية حصص شائعة في المشروع الذي وقع تمويله بذلك المال وهي قابلة للتداول بالضوابط الشرعية لذلك .
3- عقد السلم : عقد السلم هو عقد بيع يتقدم فيه دفع الثمن ويتأجل قبض المبيع ، ومحل العقد سلعة موصوفة في الذمة ، ويلزم لصحة العقد قبض الثمن في مجلس العقد وتحديد الأجل ووصف السلعة وصفاً نافياً للجهالة . والسلع التي يجوز أن تكون محلاً للسلم كثيرة إذ كل ما يثبت في الذمة يجوز أن يباع سلماً . وعقد السلم هو عقد تمويل ولذلك يمكن للشركة أن تستخدمه للحصول على المال وذلك ببيع سلعها إن كانت تنتج سلعاً تصلح محلاً للسلم (مع عدم النص على المصدر بل على الصفقة فقط) أو بيع سلع ينتجها الغير ، يمكن للشركة أن تشتريها من السوق وتسلمها إلى المشتري عند حلول الأجل . فإذا احتاجت الشركة إلى سيولة عاجلة (لصرف الرواتب الشهرية مثلاً) يمكنها الحصول على النقود من خلال بيع السلم ولها أن تنفق هذه الأموال لمصالحها الخاصة ملتزمة بأقباض المشتري السلع عند الأجل .
هل يترتب على إستبدال الصيغ المشروعة بالتمويل الربوي زيادة في التكلفة: إستقر في أذهان الناس ان صيغ التمويل الإسلامية هي أكثر تكلفة من التمويل الربوي . ولما كان المسلم لا يقارن بين الحلال والحرام اعتماداً على التكلفة بل هو يرفض الحرام ولا يرضى إلا بالحلال المباح ، ترتب على ذلك ان رضي الناس بواقع الحال وافترضوا ان هذا هو طبيعة الأمور وان على المسلم ان يضحي من أجل ان يتخلص من الحرام . والزيادة في تكلفة التمويل الإسلامي (مقارنة بالقرض بالفائدة) تنبني لدى أرباب البنوك الإسلامية على اعتبارات أهمها ان المخاطرة في التمويل المعتمد على البيوع أو المشاركات أعلى منها في حالات القروض . ومن ثم استحق الممول (البنك) عائداً أعلي نسبياً. فهل يعني هذا ان على الشركة التي تريد أن تخلص من المصادر الربوية للمال وان تقتصر على صيغ التمويل المباحة على أن تقبل بتكلفة أعلى وان ترضى بمعدل أرباح أقل نتيجة لذلك . لا نرى ان مثل ذلك لازم ، وهو ان كان كذلك فسوف يؤدي إلى تردد عدد غير قليل من الشركات التحول المطلوب . نعم ان على المسلم ان يقارن بين الحلال والحرام اعتماداً على التكلفة إذ ان الحرام ليس خياراً متاحاً للمسلم ولكن مع ذلك فإن مثل هذه الظاهرة تحتاج إلى نظر ودراسة . ولذلك فإن على الشركات ان تسعى حثيثاً نحو إقناع البنوك ان هذا التصور للمخاطرة المرتفعة في صيغ التمويل الإسلامية لا أساس له . وان مبعثه صغر حجم سوق التمويل الإسلامي وتمتع البنوك فيه بقوة سوقية تمكنهم من فرض سعر أعلى مما يجب .
معالجة آثار المعاملات المحرمة سابقاً : كيف يمكن لشركة قررت الخلوص من المحرمات أن تعالج آثار ما كانت عليه منها . ولما كنا نتحدث عن الأموال التي حصلت عليها الشركة . وكانت مشوبة بالربا ، فإن معالجة آثار مثل ذلك يكون كما يأتي . أولاً : ما كان من أمر الربا قديماً في المعاملات التي إنتهى أجلها وحصلت الشركة منها على الفوائد المصرفية ، أو كانت اقترضت بالربا . فإن كانت الشركة قد عقدت العزم على الإقلاع عن هذه المعاملات وقد صدقت نية أصحاب الشركة وإدارتها في ذلك إنطبق على هذه الحالة قوله تعالى : {فمن جاءه موعظة من ربه فإنتهى فله ما سلف} . الحواشي 1- والتدرج الذي نتحدث عنه اليوم ليس تدرجاً في التشريع إذا الحرام بين والحلال بين ونحن نبدأ بالقطع بحرمة الربا وضرورة اجتثاث جذوره من مجتمعات الإسلام . ولكننا نقول بالتدرج في التطبيق وإحداث التغيير . 2- ولا يدخل في ذلك بيوع الأجل كالتقسيط ونحوه كما سيأتي بيانه . 3- ولا نغفل في هذا المجال حرص حملة الأسهم القدامى على إستمرار سيطرتهم على الشركة فدخول مساهمين جدد سيؤدي إلى انخفاض حصتهم ومن ثم تدني سلطتهم الادارية على الشركة . 4- وتختلف شروط إصدار الأسهم الممتازة اختلافاً بيناً لكن ما ذكرنا هو الصيغة العامة . 5- يراجع قرار المجمع الوارد في قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي دمشق دار القلم سنة 1418هـ . |
|
|
Privacy Policy Webmaster Elgarisite@hotmail.com www.elgari.com 2002 جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد القري © |
||