|
|
||
|
|
اشتراط تحول الحساب الجاري بأثر رجعي إلى حساب استثمار بشروط معينة
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه :
موضوع هذه الورقة هو الإجابة عن السؤال : ما مدى جواز اشتراط تحول الحساب الجاري بأثر رجعي الى حساب استثمار ؟
أولاً : الباعث على السؤال : أضحت الخدمات المصرفية واحدة من الحاجات الأساسية للناس في حياتنا المعاصرة. الأمر الذي ترتب عليه ان صارت فوائض الأموال التي تخص جميع أفراد المجتمع مودعه كلها تقريباً لدى البنوك. وزاد من ذلك ان صارت المرتبات الشهرية للموظفين، وهم السواد الأعظم في المجتمع، تصرفها البنوك نيابة عن أرباب العمل عن طريق ايداعها في حسابات جارية لكل موظف. فتضاعفت الودائع لديها وبخاصة في الحسابات الجارية. فكانت النتيجة ان صارت هذه البنوك تتوافر على أموال عظيمة جلها على أساس القرض (لانها حسابات جارية) فتستثمرها لصالح حملة أسهمها وتكتفي بضمانها لاصحابها. ولذلك صرنا نسمع بالارباح العالية التي تحققها المصارف وتوزعها على حملة الأسهم، مع أن رأس مال البنك الذي تمثله تلك الأسهم لا يبرر هذه الارباح العالية، فعُلم أن مصدرها إنما هو ودائع أصحاب الحسابات الجارية. والبنوك الإسلامية وغيرها في ذلك سواء. فكثر الحديث في مسألة: لِمَ لا يكون لأصحاب هذه الحسابات نصيب من تلك الأرباح التي انما تولدت باستثمار اموالهم. ورب قائل: ان مثل هذا متاح فلو أنهم جعلوها في حسابات إستثمارية لاستحقوا عليها العائد ولكنهم اختاروا أن تكون في حسابات جارية مع علمهم ان لا أرباح عليها. الحقيقة ان مثل ذلك لا يتيسر لأصحاب الدخول المتدنية من الموظفين وأمثالهم لان أكثرهم يحتفظ بمدخراته القليلة لغرض الاحتياط فيجعلها في حساب جارٍ لانه لا يدري متى سيحتاج اليها ومن ثم لايريدها مربوطة لمدة طويلة كما هو حال الحسابات الاستثمارية. فجاءت فكرة قلب العقد باثر رجعي. فالباعث على هذه المسألة وجيه.
ثانياً الجواب : الحساب الجاري لدى البنوك (الإسلامية والتقليدية) هو قرض بلا فائدة فأشبه القرض الحسن. والأصل في القرض أنه للارفاق فهو من واجد الى محتاج، لكن العلاقات التعاقدية بين اطرافه لا يغيرها كونه قرض من غني الى من هو أغنى منه أو أكثر ملاءةً. وقصة الزبير بن العوام رضي الله عنه مشهوره فقد كان يقترض من الناس مع أنه كان من أغنى أهل زمانه. وقد جاء في صحيح البخاري "انما كان دينه الذي عليه ان الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه اياه فيقول الزبير لا ولكنه سلف فاني اخشى الضيعة". ولذلك فقد قرر المجمع الفقهي الإسلامي الدولي ان الحسابات الجارية قروض. ويترتب على ذلك ان تكون الأموال في الحسابات الجارية على ضمان المصرف وله مقابل هذا الضمان ان يستثمرها لنفسه فما تحقق من ربح فهو له وما وقع من خسارة تحملها (المصرف) في ماله الخاص. والبنوك تستثمر الجزء الأكبر من الودائع في الحسابات الجارية وتستأثر بما يحقق الاستثمار من ربح، عملاً بقاعدة الخراج بالضمان.
والسؤال المطروح يكتنفه بعض الغموض ولذلك نوضح ما فهمنا منه بمثالين : المثال الأول : رجل أنشأ حساباً جارياً لدى المصرف، (وهو يعلم ان لدى البنك حسابات إستثمارية) فهو يريد أنه متى إحتاج الى سحب أمواله منه وجدها جاهزة لان الحساب الجاري قرض حال والحسابات الاستثمارية ذات مدد. ثم بعد مرور بعض الوقت -ستة أشهر مثلاً- وجد هذا المودع انه لم يسحب من أمواله شيئاً خلال تلك المدة فأتى الى البنك قائلاً له : إجعلوا حسابي هذا حساب استثمار بأثر رجعي وادفعوا لي نصيباً من الأرباح التي تحققت باستثماركم له خلال هذه الفترة. فإذا كانت هذه فحوى السؤال فالجواب أن يقال : إذا كان المال مضموناً على المصرف كما هو حال الحسابات الجارية لم تجز عليه الزيادة لانها تكون من الربا. فان قيل: إنما الزيادة ممنوعة في القرض، ولكن العقد إنقلب بأثر رجعي الى مضاربة برضا طرفيه ولم يعد قرضاً. فالجواب عن ذلك : ان هذا الانقلاب لا وجه له ولا يجوز بحال، ولو جاز هذا لاستبيحت محرمات كثيرة بمثل هذه الحيلة (1) . فان قيل: أليس يجوز في القرض الزيادة اذا كانت بغير شرط؟ والفقهاء يعدون ذلك من حسن القضاء وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم. فالمسألة تئول الى مثل ذلك وهي كونه قرضاً رد الى المقرض مع زيادة لم تشترط عند التعاقد. فالجواب : ان هذه تختلف عن مسألتنا، اذ الزيادة الجائزة لا يكفي ان تكون بغير شرط بل يجب ان تكون بمبادرة من المقترض وليس بطلب من الدائن، لانها اذا جاءت بطلب من الدائن أشبهت الشرط. والقاعدة ان المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، فاذا انتشر التعامل بين الناس بهذه الطريقة – كما هو شأن المعاملات المصرفية- صارت عرفاً فاضحت الزيادة من الربا حتى لو لم ينص عليها في العقد. فإن قيل ألم يقلب عمر بن الخطاب رضي الله عنه القرض الى قراض في قصة إبنيه عبدالله وعبيدالله. فقد روي مالك عن زيد بن اسلم عن ابيه ان عبدالله وعبيدالله ابني عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم خرجا في جيش الى العراق فلما قفلا مرا على عامل لعمر فرحب بهما وسهل، وهو أمير البصرة، وقال: لو أقدر لكما على أمرٍ أنفعكما به لفعلت. ثم قال: بلى ها هنا مال من مال الله أريد أن ابعث به الى أمير المؤمنين فأسلفكماه فتبتاعان متاعاً من متاع العراق ثم تبيعانه بالمدينة فتؤديان رأس المال الى أمير المؤمنين ويكون لكما الربح، فقالا: وددنا، ففعل وكتب لهما الى عمر أن يأخذ منهما المال فلما قدما المدينة باعا فربحا فلما دفعا الى عمر قال لهما: أكل الجيش أسلفة كما أسلفكما؟ فقالا: لا، فقال عمر: قال أنا أمير المؤمنين فأسلفكما فأديا المال وربحه فأما عبدالله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك هذا يا أمير المؤمنين لو هلك المال، أو نقص لضمناه فقال أدياه فسكت عبدالله وراجعه عبيد الله فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضاً فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه وأخذ عبدالله وعبيد الله نصف ربح ذلك المال. أليست هذه مثل ماورد في مسألتنا؟. فجوابنا ان في هذه الواقعة شبهً بمسألتنا ولا ريب، وقد انقلب عقد القرض فيها الى قراض لقول جليس عمر رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضاً، فهي تغيير للعقد بأثر رجعي بعد ان تبين الربح. لكن المسألة فيها اختلاف عن مسألتنا أيضاً. من ذلك: انها جاءت معالجة لخطأ وقع ويحتاج الى تصحيح وأنظر الى سؤال عمر "أكل الجيش أسلفه كما أسلفكما" فقد أهتم رضي الله عنه بجانب العدل في المسألة. ومن جهة أخرى فانها واقعة مشهورة ومع ذلك لم يستند اليها المسلمون في تجويز انقلاب العقود، لما ذكرنا من انها تصحيح لخطأ قد وقع وتصرف من عامل عمر لم يقبله وهو أمير المؤمنين. ان هذه تتعلق بالمال العام الذي فيه حق لكل المسلمين ومسألتنا انما هي متعلقة بالمال الخاص. فان قيل ان قاعدة الخراج بالضمان التي استندتم اليها في المنع ليست على إطلاقها فقد جاء مايعارضها في الحديث مثال ذلك حديث المصرآه وقد رواه البخاري ومسلم، وحديث وضع الجوائح، أضف الى ذلك أن الفقهاء أجازوا معاملات فيها خروج عن هذا القاعدة، فقد أجاز المالكية بيع بضاعة السلم قبل القبض (لغير الطعام) مع انها مضمونة على البائع (المسلم اليه) وجاء في مسائل احمد لما سئل عن ربح مالم يضمن قال "لا يكون عندي إلا في الطعام يعني مالم يقبض". ومثل ذلك كثير. فاذا شارك صاحب الحساب ببعض الربح بدون ضمان فلهذا شبه. فالجواب: ان قاعدة الخراج بالضمان إنما تربط التصرف بالضمان فما دخل في ضمان المشتري مثلاً جاز تصرفه فيه ومالم يدخل لم يجز، وهي بهذا المعنى ليست قاعدة مطردة اذ اجاز الشارع أنواعاً من التصرفات التي لا يلزم فيها وجود الضمان كتلك المذكورة أعلاه وهي تصرفات ربما ترتب عليها ربح وبما لم يترتب. أما ما نحن بصدده فهو استحقاق الربح وهو ممنوع بغير ضمان ليس لذلك مخالف. فالذي اختلف فيه في معنى قاعدة الخراج بالضمان انما يتعلق بهلاك المبيع قبل القبض، فمن اشترطها انما يشترط انتقال تبعة الهلاك قبل التصرف ومن خالف فهو يجيز التصرف قبل انتقال تبعة الهلاك. اما الربح بلا ضمان وهو مسألتنا فلاشك بانه ممنوع.
المثال الثاني : رجل أنشأ حساباً مع المصرف واشترط عليه عند فتح الحساب بانه حساب جارٍ ولكن قال له: إن انا تركت أموالي فيه ولم اسحبها لمدة ستة أشهر (أو مدة يتفق عليها) فاعتبروه حساب إستثمار وأشركوني فيما يتحقق من ربح. وإن أنا سحبت منه شيئاً قبل هذا الأجل فهو باق على أصله (أي حساب جارٍ لا استحق معه ربحاً). فصار عقداً متردداً بين القرض والقراض. وقوع هذه الصورة أكبر وهي موافقة لما قامت عليه المعاملات المصرفية المعاصرة، اذ لا يتصور قبول المصرف انقلاب العقود بدون ترتيبات مسبقة واجراءات مقننة معلنة وشروط منصوصة عند إبتداء العلاقة. بناء على ذلك أقول : اذا اشترط صاحب الحساب الجاري على المصرف انه اذا لم يسحب شيئاً من وديعته خلال ستة أشهر (أو أكثر أو أقل، مدة يتفقان عليها) انقلبت مضاربة واستحق عليها ربحاً، وان فعل (أي سحب من الحساب) بقيت على أصلها قرضاً، اذا اشترط ذلك تفرع عن هذا الشرط حالات: الأولى : ان الأموال تكون مضمونة على المصرف بحكم كونها قرضاً خلال المدة السابقة للانقلاب. والمصرف يستثمرها لنفسه وربما حقق الربح وربما مني بالخسارة، وعندما يطلب العميل انقلاب العقد فهو لا يدري، (او ربما لم يتبين بعد) ما إذا كانت الحال ربح أم خسارة. فان كان العميل يقول للمصرف انا شريك لكم ان كان ثم ربح، اما ان كانت خسارة فيبقى حسابي على أصله جارياً. فهذا لايجوز بحال لان الانقلاب صوري ليس حقيقي فهو في معناه إنما يطلب الزيادة على القرض وذلك ممنوع. أما إن كان يقول : اذا أنقلب عقدي الى مضاربة بأثر رجعي فأنا أشارك في الربح وأتحمل الخسارة عن الفترة الماضية، وكان الربح والخسارة لم يتبنا بعد، فهذا حري بالقبول وهو شبيه بما تحدث عنه الفقهاء في مسألة ترديد العقود. قال في البحر الرائق : "قال رحمه الله (وصح ترديد الأجير بترديد العمل في الثوب نوعا وزمانا في الأول) يعني يجوز ان يجعل الأجر متردداً بين تسميتين ويجعل العمل متردداً في الثوب بين نوعي العمل بان يقول ان خطت فارسياً فبدرهم او رومياً فبدرهمين او صبغته بعصفر فبدرهم وبزعفران فبدرهمين أو يجعل العمل متردداً بين زمانين بان يقول ان خطته اليوم فبدرهمين وان خطته غداً فبنصف درهم..." أ.هـ. وقد اختلفوا في جواز هذه الصيغة، أجازها ابو حنيفة وصاحباه ومنعها زفر وقال شارح كنز الدقائق "هذا خيار التعيين".
مقترح للوصول الى الغرض بطريق آخر : يمكن التوصل الى مانحن بصدده بطريقة أخرى وباتاحة الفرصة لأصحاب الحسابات الصغيرة للحصول على السيولة بامكانية السحب من حساباتهم على المشاركة في الربح ولا حاجة الى أن نقلب العقد بأثر رجعي، وهي التنضيض الحكمي والاسترداد. جعل الحساب الجاري مبني على عقد المضاربة ولس القرض. وان تكون مضاربة يومية، وفي هذه الحالة يشارك صاحب الحساب في الأرباح ويتحمل الخسائر وتتحقق له السيولة المطلوبة وذلك بالتنضيض الحكمي على أساس يومي لحسابات المضاربة. ورب قائل: ان مثل هذا لا يكون لان المضاربة تحتاج حتى تحقق الربح الى مدة أطول من يوم واحد فالجواب: انه لا فرق في التنضيض الحكمي ان تكون المدة يوم او شهر او سنة لان الاجراءات انما تقوم على الاعتماد على الدفاتر لايجاد قيمة للإستثمار بينما ان الاستثمار مدته أطول من ذلك وهذا يمكن اجراءه في أي وقت. حتى التنضيض الحكمي في آخر العام انما هو لمضاربات قائمة.
الحواشي 1- كالتي تزني وتلد سفاحاً ثم تقلب العلاقة بأثر رجعي الى زواج. |
|
|
Privacy Policy Webmaster Elgarisite@hotmail.com www.elgari.com 2002 جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد القري © |
||